توجد قضية “حياة الماعز” التي عاشها عشرات المهاجرين غير النظاميين، ممن عبروا إلى سبتة المحتلة خلال موجة “الحريك” الجماعي في الصيف الماضي، تحت مجهر التحقيقات الإسبانية، بعدما دخلت مسارا قضائيا إثر كشف عملية أمنية عن ظروف إيواء مأساوية داخل منزل سري، كان العشرات، من بينهم مغاربة، يدفعون المال مقابل المبيت على أرضيته.
واتخذ الملف منحى جديدا بوضع المشتبه فيه الرئيسي رهن الحبس الاحتياطي، الخميس الماضي، للاشتباه في تورطه في استغلال المهاجرين وانتهاك حقوق العمال، فيما نقل 74 شخصا، بينهم قاصرون غير مصحوبين بذويهم، إلى مركز استقبال مؤقت.
مشاهد صادمة خلف الأبواب
تفاصيل القضية التي كشفتها الشرطة الإسبانية في حي “برينسيبي” بمدينة سبتة المحتلة، الثلاثاء الماضي، رست صورة قاتمة عن الظروف التي عاشها هؤلاء المهاجرون غير النظاميون، بعدما تحول المنزل الذي لجؤوا إليه إلى فضاء مكتظ لا يوفر الحد الأدنى من شروط الإقامة.
فالمنزل، الذي تبلغ مساحته نحو 80 مترا مربعا ويتكون من طابقين، كان يؤوي 74 مهاجرا توزعوا بين الغرف والمساكن الملحقة، دون أن يتوفروا سوى على سرير حقيقي واحد، بينما كان الباقون ينامون على أغطية ووسائد وفرش وضعت مباشرة على الأرض.
ووفق ما أوردته صحيفة “إل باييس” الإسبانية، فإن السرير الوحيد، المزود بطاولة جانبية، كان موجودا في غرفة المشتبه فيه الرئيسي، في وقت كان فيه العشرات يتقاسمون فضاءات ضيقة للنوم، في ظروف تكشف حجم التكدس داخل المكان.
ومن بين أكثر التفاصيل إثارة للصدمة، عثور عناصر الشرطة، خلال تفتيش المنزل، على شابين مغربيين مختبئين داخل ثلاجة كانت لا تزال تعمل، ما أضفى بعدا آخر إلى القضية، التي لا تقتصر على ظروف الإيواء القاسية، بل وامتد إلى شبهات تتعلق باستغلال المهاجرين الذين كانوا ينتظرون فرصة للعبور نحو شبه الجزيرة الإسبانية.
ولم يكن الإيواء داخل هذا المنزل، بحسب المعطيات التي أوردتها الصحيفة الإسبانية، خدمة مجانية، إذ كان المهاجرون يؤدون 20 أورو مقابل الليلة الواحدة داخل المنزل، بينما تنخفض التكلفة إلى 10 أورو بالنسبة إلى المقيمين في الأكواخ.
وتقدر الشرطة أن المشتبه فيه الرئيسي كان يجمع ما بين 1000 و1100 أورو يوميا، أي ما يقارب 30 ألف أورو شهريا، من المبالغ التي يؤديها المقيمون مقابل الإيواء. وهي تقديرات تضع العائدات المالية المحتملة لهذا النشاط في صلب التحقيقات الجارية.
لكن الشبهات لا تتوقف عند تحصيل الأموال مقابل المبيت، إذ يعتقد المحققون أن بعض المهاجرين حصلوا على تخفيضات في المبالغ المطلوبة منهم مقابل القيام بأعمال بناء دون أجر. وتشير المعطيات إلى أن قاصرين كانوا من بين الأشخاص الذين يحتمل تعرضهم لهذه الممارسات، بما يطرح أسئلة بشأن استغلال هشاشة المهاجرين وحاجتهم إلى المأوى.
قاصرون.. استغلال وترهيب بكلب
وتتضمن تفاصيل القضية، أيضا، شبهات بشأن استخدام كلب لترهيب المقيمين داخل المنزل، مع الاشتباه في تعرض أحد الأطفال للعض. وهي معطيات تضيف إلى ظروف الإقامة المزرية مؤشرات أخرى على طبيعة المعاملة التي كان يتلقاها بعض الموجودين في المكان.
وكانت الشرطة قد أحصت 54 رجلا وعشر نساء وعشرة قاصرين غير مصحوبين بذويهم داخل المنزل. ويشتبه المحققون في أن هذا الفضاء كان يستعمل لإيواء المهاجرين غير النظاميين، في انتظار تنظيم عمليات عبور سرية نحو شبه الجزيرة الإسبانية.
وفي بيان صادر بتاريخ 22 أكتوبر الجاري، أوضحت وزارة الداخلية الإسبانية أن التحقيق يتناول، من بين أمور أخرى، قضايا الهجرة غير النظامية، وانتهاك حقوق العمال، واستغلال القاصرين.
وبعد وضع المشتبه فيه الرئيسي، وهو رجل في الثلاثينيات من عمره من سكان سبتة المحتلة، رهن الحبس الاحتياطي الخميس الماضي، نقل المهاجرون الـ74 إلى مركز استقبال مؤقت.
وتكشف هذه القضية عن جانب آخر من محنة الهجرة غير النظامية، حيث لا تنتهي المخاطر بمجرد الوصول إلى الوجهة المنشودة، بل قد يجد المهاجرون أنفسهم أمام ظروف قاسية جدا ولا إنسانية.
