في زمن تتسارع فيه التحولات التكنولوجية وتتزايد فيه تعقيدات الحياة العامة، لم يعد إصدار قوانين جديدة جوابا تلقائيا عن كل إشكال.

فمن داخل البرلمان، دعا الأمين العام للحكومة حسن طارق إلى إعادة التفكير في وظيفة التشريع، محذرا من تضخم النصوص القانونية، ومشددا على ضرورة بناء منظومة تشريعية ذكية توازن بين حماية الحقوق ومواكبة تحديات الآلة والخوارزميات.

إ. لكبيش / Le12.ma

أكد الأمين العام للحكومة، حسن طارق، أن الربط الدستوري بين الحق والقانون يشكل الأساس الذي يمنح النصوص القانونية مضمونها ومعناها الديمقراطيين، مشددا على ضرورة مواكبة التحولات العميقة التي يشهدها العالم في مجال إنتاج التشريعات، وفي مقدمتها التحديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والآلة والخوارزميات.

وجاءت تصريحات طارق خلال تقديمه، مساء الخميس، مشروع الميزانية الفرعية للأمانة العامة للحكومة برسم مشروع قانون المالية لسنة 2027، أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، حيث دعا المشرعين إلى مقاومة ما وصفه بـ”إغراء الحتمية المعيارية”، أي الاعتقاد بأن كل مشكلة أو ظاهرة تستدعي بالضرورة إصدار نص قانوني جديد.

وأوضح أن شساعة المجال التشريعي وكثافة النصوص القانونية لم تعودا تسمحان بمواصلة هذا المنطق، معتبرا أن تدخل المشرع ينبغي أن يكون دقيقا ومحسوبا، وفق مقاربة وصفها بـ”الجراحية الذكية”، تفاديا للتضخم التشريعي والقانوني وضمانا لفعالية القواعد القانونية.

واستهل الأمين العام للحكومة مداخلته بالتأكيد على أن اللقاء لا ينبغي اختزاله في مجرد عرض للأرقام والمؤشرات المالية، بل يمثل مناسبة لتعزيز الثقة والتعاون بين الأمانة العامة للحكومة واللجنة البرلمانية، وبين الحكومة والسلطة التشريعية.

وأشار إلى أن المؤسستين محكومتان دستوريا بمنطق التعاون والتوازن، وهو ما يفرض توفير الشروط اللازمة لإنجاح التواصل والتنسيق بينهما، بما يخدم جودة العمل التشريعي ويعزز احترام المقتضيات الدستورية.

وفي استحضاره لمقتضيات دستور 2011، ميز طارق بين مفهوم “دولة الحق والقانون” ومفهوم “دولة القانون” فقط، موضحا أن الحق هو الذي يمنح القانون مضمونه الديمقراطي، بينما قد يتحول القانون، إذا انفصل عن منظومة الحقوق، إلى مجرد إجراءات شكلية أو قواعد تنظيمية تفتقد لروحها الديمقراطية.

وأضاف أن هذا الترابط يجعل البناء الديمقراطي حاضرا في تصدير الدستور، الذي يؤكد بدوره التزام المغرب بحماية منظومة حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، ويحدد موقع الاتفاقيات الدولية ضمن التراتبية القانونية الوطنية.

كما استحضر الفصل السادس من الدستور، الذي ينص على أن القانون أسمى تعبير عن إرادة الأمة، ويلزم الجميع، بمن فيهم السلطات العمومية، بالامتثال لمقتضياته.

وفي سياق حديثه عن التوجيهات الملكية، ولاسيما مضامين خطاب عيد العرش وخطاب افتتاح الدورة التشريعية الأولى من الولاية 2026-2031، أبرز حسن طارق أن مفهوم السيادة الوطنية شكل محورا أساسيا في هذه التوجيهات.

وأوضح أن السيادة جرى تناولها من زوايا متعددة، تشمل الأمن والاستقرار والنجاعة المؤسساتية، فضلا عن الاكتفاء الاستراتيجي والأمن المائي والطاقي والغذائي، داعيا إلى جعل السيادة الوطنية أفقا موجها للتشريع والقانون ومختلف السياسات العمومية.

وربط المسؤول الحكومي هذا التوجه بالهوية الوطنية والقيم الجامعة، معتبرا أن بناء السيادة يقتضي وجود دولة وطنية متماسكة وشعور قوي بالانتماء، وهي عناصر تتحول إلى موارد استراتيجية خلال لحظات التعبئة الوطنية ومواجهة التحديات.

كما شدد على أهمية النظر إلى القانون باعتباره سندا للسياسات الاجتماعية والترابية، مسجلا أن عددا من الأوراش، من قبيل اللامركزية واللاتمركز والجهوية وقضايا الشباب، لا تزال تواجه تحديات على مستوى المواكبة التشريعية.

ولم يغفل طارق التحولات التكنولوجية المتسارعة التي باتت تعيد تشكيل مفاهيم الحرية والحق والقانون، بل وحتى طبيعة الدولة ووظائفها، مشيرا إلى أن الحديث عن “الدولة المنصة” يفرض بالضرورة إعادة النظر في طبيعة التشريع وأدواته.

وفي هذا الإطار، نبه إلى بروز آليات جديدة للتنظيم، من بينها الخوارزميات، التي أصبحت تستحوذ تدريجيا على جزء من مجال التنظيم والقرار العمومي، بعدما باتت بعض المهام التي كانت تتم سابقا عبر القرارات والمراسيم قابلة للتنفيذ بواسطة الأنظمة الآلية.

واعتبر أن هذه التحولات تفرض بناء ما سماه “الذكاء القانوني”، وإعادة التفكير في القاعدة القانونية حتى تظل قادرة على مواكبة المستجدات دون أن تفقد دورها في حماية الحقوق وضمان المشروعية.

وأضاف أن عالم اليوم، بما يطرحه من تحديات مرتبطة بالتغيرات المناخية والمخاطر التكنولوجية وتطور الذكاء الاصطناعي، يحتاج إلى قواعد قانونية ذكية ومتكيّفة واستباقية، قادرة على التعامل مع التحولات قبل أن تتحول إلى إشكالات يصعب احتواؤها.

وختم الأمين العام للحكومة بالتذكير بأن الأمانة العامة للحكومة، التي يعود تاريخ تأسيسها إلى سنة 1913، تستند في عملها إلى مرجعيات أساسية تتمثل في المشروعية والانسجام والجودة والشفافية.

ودعا أعضاء لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات إلى العمل جنبا إلى جنب مع الأمانة العامة للحكومة من أجل تطوير الحكامة التشريعية، والارتقاء بجودة النصوص القانونية، بما يضمن انسجامها مع التحولات الوطنية والدولية ويحافظ على جوهر دولة الحق والقانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *