في خطوة تاريخية تجسد الرؤية الملكية السامية لتحديث المرفق العام الأمني، يشكل المقر الجديد للمديرية العامة للأمن الوطني بالعاصمة الرباط قفزة نوعية في مسار عهده التطور والاحترافية.
هذا الصرح الذي شيد وفق أحدث المعايير التقنية واللوجستيكية العالمية، لا يمثل مجرد فضاء إداري تقليدي، بل يبرز كـ “نواة مركزية” مدمجة ومتطورة تهدف إلى رفع كفاءة التنسيق البيني، وضمان انصهار كافة المديريات والمصالح المركزية في فضاء واحد وموحد يدعم العمل الميداني والعملياتي.
هندسة معمارية تمزج بين الأصالة والحداثة
تم تشييد هذا المجمع الأمني الضخم على مساحة شاسعة تفوق 20 هكتاراً، مما يجعله محطة فارقة في تاريخ المؤسسة.
ويتميز المقر بتصميم معماري فريد يوازن بين العصرنة الفائقة وبصمة الهوية المغربية العريقة، من خلال توظيف فنون الزليج والنجارة المحلية التقليدية لتزيين الفضاءات.
البنية التحتية والمرافق الأساسية
يضم المجمع مبنى مركزياً بارتفاع ثمانية طوابق، محاطاً بجناحين بارتفاع خمسة طوابق، إلى جانب ستة مبانٍ مستقلة مخصصة للمديريات المركزية كمديرية الموارد البشرية، ومديرية التجهيز والميزانية.
كما يشتمل المقر على منشآت عملياتية وتقنية متطورة ممثلة في مركز للمراقبة، ومركز للبيانات، ومركز لإنجاز الوثائق التعريفية، بالإضافة إلى ميدان للرماية ومستودع مؤمن للأسلحة ومهبط للطائرات المروحية.
ولتوفير بيئة عمل مثالية ومحفزة لموظفي الشرطة، تم تزويد الصرح بقاعة مؤتمرات ضخمة تتسع لـ 1200 مقعد، ومركب رياضي متكامل يضم مسبحاً أولمبياً، وملعباً متعدد الرياضات، وقاعات للياقة البدنية وفنون الدفاع عن النفس.
متحف الأمن الوطني يروي تاريخ المؤسسة
في قلب هذا المقر الجديد، ينبض متحف الأمن الوطني كشاهد حي على تطور المؤسسة الأمنية المغربية منذ فجر الاستقلال.
وتستعرض معروضات هذا المتحف المحطات الحثيثة لهذا المسار بدءاً من عهد الملك الراحل محمد الخامس الذي شهد مرحلة التأسيس الأولى وبناء النواة الوطنية، مرورا بعهد الملك الراحل الحسن الثاني الذي تميز بالهيكلة الإدارية الحاسمة والتوجه نحو التحديث المؤسساتي وتأسيس المعهد الملكي للشرطة، وصولاً إلى عهد الملك محمد السادس الذي قاد مرحلة الاحترافية الشاملة والتمكين الذاتي عبر إدماج النساء في المنظومة الأمنية والانفتاح على التكنولوجيات الدقيقة.
التكنولوجيا والرقمنة في خدمة الأمن والحرية
تماشياً مع متطلبات العصر، دمجت المديرية العامة للأمن الوطني تقنيات متقدمة لتعزيز تدخلاتها الميدانية، وتأتي في مقدمتها الطائرات المسيرة التي تُستخدم لدعم العمليات الأمنية وتأمين المظاهرات والفعاليات الكبرى ومحاربة الهجرة غير النظامية.
وتؤكد المديرية في هذا الصدد أن توظيف هذه التكنولوجيات الحديثة يتم دائماً في إطار دقيق يحترم سيادة القانون، ودون المساس بحريات الأفراد أو حرمة حياتهم الخاصة.
مقاربة القرب وتعزيز حقوق الإنسان
لا تقتصر استراتيجية المديرية العامة للأمن الوطني على الجوانب اللوجستيكية الفنية فحسب، بل تمتد لتكريس حوكمة حقوقية شاملة وأمن تشاركي يضع المواطن في صلب الاهتمام اليومي للمرفق الشرطي.
سياسة القرب والتشارك
تعتمد المؤسسة الأمنية على فلسفة الإنتاج المشترك للأمن عبر الانفتاح المستمر على المواطنين ومحيطها المجتمعي.
ويتجسد هذا التوجه في تفعيل الحوار الدائم مع الفاعلين المحليين، وتنظيم حملات تحسيسية وتوعوية واسعة داخل المؤسسات التعليمية لتعريف الناشئة بأدوار المؤسسة، بالإضافة إلى إقامة أيام الأبواب المفتوحة التي تمكن العموم من التعرف عن قرب على طبيعة العمل الشرطي والوسائل التقنية المعتمدة فيه.
المرجعية الحقوقية والحوكمة البشرية
يأتي تعزيز حقوق الإنسان في صلب الأولويات الاستراتيجية للمديرية، حيث تم إدماج الثقافة الحقوقية ضمن مناهج التدريب الشرطي وتطوير شراكات متينة مع المؤسسات الوطنية ذات الاختصاص كالمجلس الوطني لحقوق الإنسان.
وقد أسهمت هذه الجهود في تبني أفضل الممارسات الدولية في التعامل مع الموقوفين والأشخاص الموضوعين تحت تدابير الحراسة النظرية، تماشياً مع المقتضيات الدستورية والالتزامات الحقوقية الدولية للمملكة المغربية.
حوكمة الموارد البشرية وتحديات المستقبل
لمواكبة هذه الطفرة البنيوية، أطلقت المديرية أوراشاً هيكلية طموحة تهدف إلى تثمين الكفاءات الشرطية وتطوير الأوضاع المهنية والاجتماعية للموظفين والموظفات.
وفي هذا السياق، تم اعتماد ميثاق جديد للتوظيف يرتكز على مبادئ النزاهة والاستحقاق، مع ملاءمة وتطوير مناهج التكوين بالمعهد الملكي للشرطة والمدارس التابعة له، لضمان تخريج أطر شرطية مؤهلة قادرة على رفع التحديات والرهانات الأمنية المستجدة بكفاءة واقتدار.
إن المقر الجديد للمديرية العامة للأمن الوطني بالرباط ليس مجرد نقلة نوعية في البناء والعمران، بل هو عنوان لمرحلة جديدة من العطاء الأمني المغربي؛ شعارها النجاعة، الحداثة، والمواطنة الحقة.
إ. لكبيش / Le12.ma
