في الوقت الذي يتربع فيه “توت الأرض” أو “الفريز” ملكاً على عرش الفواكه في الأسواق العالمية، وبقدر ما يغري لونه الأحمر الجذاب المستهلكين، بقدر ما يخفي وراءه قصصاً ممعنة في القسوة.

هنا، بمنطقة مولاي بوسلهام التابعة لإقليم القنيطرة، كما عاينت جريدة le12.ma لا تُقاس “الحلاوة” بالمذاق، بل بعرق جبين مئات النسوة اللواتي يواجهن واقعاً سوسيو-اقتصادياً مريراً.

ملامح متوارية خلف “الشاشية”

بين الحقول الممتدة على أزيد من 400 هكتار، تنهمك الشابة “سعاد” (30 سنة) في عملية الجني. تبدو ملامحها متوارية خلف “شاشية” وقناع قماشي، في محاولة لحماية بشرتها من لسعات الشمس الحارقة وغبار المبيدات.

سعاد، التي غادرت مقاعد الدراسة في المرحلة الابتدائية لانتشال عائلتها من براثن الفقر، تجسد مأساة جيل من الفتيات القرويات بالمنطقة.

تبدأ رحلة الشقاء اليومي منذ الخامسة صباحاً، حيث تلتحق سعاد بزميلاتها في نقطة تجمع معلومة وسط الدوار، في انتظار شاحنة النقل التي تقلهن إلى الضيعة.

تقول سعاد: “نشتغل من السابعة صباحاً حتى الرابعة مساءً، ولا نتوقف إلا لساعة واحدة عند الواحدة زوالاً لتناول وجبة غداء سريعة، ثم نعود لمواصلة الكدح في يوم شاق لا ينتهي إلا بالعودة إلى منازلنا منهكات”.

أجر زهيد وجهد مضنٍ

الصادم في هذه السلسلة الإنتاجية هو “الأجر اليومي”. فمقابل تسع ساعات من العمل الشاق، لا تتقاضى سعاد وزميلاتها سوى أجر يتراوح بين 80 و100 درهم، وهو مبلغ زهيد لا يسمن ولا يغني من جوع في ظل غلاء المعيشة.

غير أن “الحاجة وضيق الحال” يظلان المحرك الأساسي لقبول هذا الواقع، في منطقة يغيب فيها البديل وتستشري فيها البطالة.

وعلى بعد خطوات، نجد “عائشة”، العاملة المتزوجة والأم لأربعة أطفال، التي تعيل أيضاً زوجاً أقعده المرض.

تقول عائشة، وهي تضع حبات الفريز في الصناديق: “كنخرج مع الفجر باش نجيب الرزق ونعيش ولادي”.

وتجسد عائشة نموذج المرأة الكادحة التي لا تملك ترف الشكوى، رغم إدراكها أن جهدها ينتهي في صناديق تُباع بأسعار مرتفعة لشركات التصدير.

الدقة التقنية مقابل الهشاشة الاجتماعية

من جانبه، يوضح “أحمد”، مدير إحدى الضيعات، أن عملية الجني ليست عشوائية، بل تتطلب “حرفية عالية”.

ويضيف أن العاملات مطالبات بقطف الثمار دون إتلاف النبتة أو أوراقها، ثم فرز المحصول بدقة لاستبعاد الفاسد منه، وترتيبه بشكل هندسي داخل الصناديق حتى يبدو جذاباً في الأسواق.

غير أن هذه الدقة في “تجميل المنتوج” تغيب تماماً عندما يتعلق الأمر بـ”تجميل واقع العاملات”.

ففي قطاع يغلب عليه العنصر النسوي بنسبة تصل إلى 70 في المائة، تعاني العديد من العاملات من خروقات قانونية، تتمثل في عدم احترام الحد الأدنى للأجور، وغياب التصريح بالضمان الاجتماعي والتأمين الصحي.

كما تتعرض العاملات لمخاطر المبيدات الحشرية، وما يرافقها من أمراض تنفسية ومشاكل جلدية.

ويبقى “الفريز” في منطقة مولاي بوسلهام واجهة اقتصادية جاذبة، لكنها واجهة تفتقر إلى العدالة الاجتماعية.

فحلاوة هذه الثمرة ستظل مشوبة بمرارة شقاء العاملات، ما لم تتدخل الجهات الوصية لفرض الرقابة على أرباب الضيعات، وضمان حقوق هؤلاء النسوة المكافحات، باعتبارهن شريكات حقيقيات في الثروة الفلاحية، ومساهمات أساسيات في وفرة وجودة وحلاوة المنتوج، لا مجرد يد عاملة مستضعفة.

رشيد زرقي / Le12.ma

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *