بين طموحات النمو الاقتصادي واستمرار الضغوط الاجتماعية، يثير البرنامج الحكومي الجديد تساؤلات بشأن قدرته على إحداث القطيعة مع الاختلالات البنيوية، في ظل ما يعتبره منتقدوه إعادة إنتاج للشعارات الانتخابية وغياب رؤية سياسية واضحة للإصلاح.
إدريس لكبيش / Le12.ma
يطرح البرنامج الحكومي للفترة الممتدة بين 2026 و2031 نقاشاً واسعاً حول مدى قدرته على تقديم أجوبة حقيقية عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المغرب، في مقدمتها غلاء المعيشة، والبطالة، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية.
فبدل تقديم تصور سياسي واقتصادي متكامل يؤسس لمرحلة جديدة من الإصلاح، يبدو البرنامج، وفق قراءة نقدية لمضامينه، أقرب إلى تجميع للوعود الانتخابية وتدبير إداري للأزمات، دون الكشف عن تحولات جوهرية قادرة على معالجة جذور الاختلالات القائمة.
حكومة الشعارات المعاد تدويرها
تتمثل إحدى أبرز الملاحظات المثارة بشأن البرنامج في غياب رؤية اقتصادية واضحة تحدد كيفية الانتقال من تدبير الأزمات إلى خلق الثروة وتوزيعها بشكل أكثر عدالة.
فمواجهة اقتصاد الريع، والحد من تضارب المصالح، وتحسين مناخ الاستثمار، لا يمكن أن تتحقق بمجرد الإعلان عن أهداف عامة، بل تتطلب إجراءات ملموسة وإرادة سياسية قادرة على تفكيك الاختلالات التي تعيق المنافسة وتحد من تكافؤ الفرص.
وفي هذا السياق، يثير الرهان على تحقيق نسبة نمو تصل إلى 5 في المائة تساؤلات حول مدى واقعيته، خصوصاً في ظل التقلبات الدولية واستمرار الضغوط التضخمية والتحديات المرتبطة بالتجارة العالمية.
وبين الطموح المعلن والواقع الاقتصادي، يظل التحدي الأساسي هو تحديد مصادر هذا النمو، ومدى قدرته على خلق فرص الشغل وتحسين دخل الأسر، بدل الاكتفاء بمؤشرات رقمية لا تنعكس بالضرورة على الحياة اليومية للمواطنين.
الغلاء والقدرة الشرائية.. حلول لا ترقى إلى حجم الأزمة
في الجانب الاجتماعي، يظل غلاء المعيشة أحد أبرز الاختبارات التي ستواجه الحكومة الجديدة، بعدما أصبحت كلفة المواد الأساسية والخدمات تثقل ميزانيات عدد كبير من الأسر المغربية.
غير أن المقاربة المعتمدة، وفق الانتقادات الموجهة إلى البرنامج، لا تقدم ما يكفي لإقناع المواطنين بوجود تحول حقيقي في السياسة الاجتماعية، خاصة إذا ظلت التدابير المعلنة محدودة الأثر مقارنة بحجم الضغوط التي تواجهها القدرة الشرائية.
كما يثير تأجيل بعض الوعود الاجتماعية الكبرى إلى المراحل الأخيرة من الولاية الحكومية تساؤلات حول ترتيب الأولويات، ومدى استعداد الحكومة لتحويل التزاماتها الانتخابية إلى إجراءات ملموسة منذ بداية ولايتها.
فالمواطن الذي يواجه ارتفاع الأسعار لا ينتظر أفقاً زمنياً بعيداً، بقدر ما يحتاج إلى تدابير واضحة وقابلة للقياس، تشمل تحسين الدخل، وضبط الاختلالات التي تؤثر في الأسواق، وتوسيع الحماية الاجتماعية، مع ضمان استدامة تمويلها.
الشباب والبطالة.. إعادة إنتاج الوصفات القديمة
ولا يبدو ملف الشباب أقل تعقيداً، في ظل استمرار تحديات البطالة وصعوبة الولوج إلى سوق الشغل، إلى جانب معاناة فئات من الشباب من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.
فإعادة التكوين وبرامج التأهيل المهني، رغم أهميتها، لا يمكن أن تشكل وحدها جواباً كافياً عن أزمة ترتبط أيضاً بضعف إحداث فرص الشغل المستدامة، ومحدودية قدرة عدد من المقاولات على التوسع، وعدم التوازن بين التكوين ومتطلبات الاقتصاد.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى رؤية تتجاوز البرامج التقليدية نحو إصلاح أعمق للجامعة العمومية، وربط التكوين بالبحث العلمي والابتكار، وتحفيز المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتوفير شروط تساعد الشباب على إطلاق مشاريعهم والاستقرار في بلدهم.
كما تظل هجرة الكفاءات من الملفات التي تحتاج إلى معالجة جدية، من خلال تحسين بيئة العمل، وتوفير فرص مهنية محفزة، وربط الاستحقاق بالكفاءة، بدل الاكتفاء بخطاب عام حول تثمين الرأسمال البشري.
محاربة الفساد.. من الشعارات إلى التنفيذ
وفي مجال الحكامة ومحاربة الفساد، يظل الرهان الحقيقي مرتبطاً بمدى قدرة الحكومة على الانتقال من إعلان المبادئ إلى إرساء آليات فعالة للمحاسبة والشفافية.
فالتعهد بتعزيز النزاهة ومحاصرة مظاهر الفساد لن يحقق النتائج المنتظرة ما لم يقترن بتطبيق فعلي للقوانين، وتقوية مؤسسات الرقابة، وضمان تكافؤ الفرص في الولوج إلى الصفقات العمومية والاستفادة من الامتيازات الاقتصادية.
كما يطرح ملف تضارب المصالح نفسه باعتباره أحد الاختبارات الأساسية لجدية الإصلاح، بالنظر إلى ارتباطه بثقة المواطنين في المؤسسات وبمدى ضمان الفصل بين المسؤولية العمومية والمصالح الخاصة.
ومن جهة أخرى، فإن تخصيص حصة أكبر من الصفقات العمومية لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة قد يشكل مدخلاً مهماً لتحريك الاقتصاد وخلق فرص الشغل، شريطة توفير شروط المنافسة العادلة، وتيسير الولوج إلى التمويل، وضمان احترام قواعد الشفافية والتنفيذ.
التعليم والصحة والجهوية.. إصلاحات مؤجلة؟
ويثير البرنامج، وفق القراءة النقدية نفسها، تساؤلات بشأن مدى وضوح التوجهات الإصلاحية في القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها التعليم والصحة، اللذان يشكلان أساساً لأي مشروع تنموي يضع المواطن في صلب السياسات العمومية.
فإصلاح التعليم لا يمكن أن يقتصر على تحسين المؤشرات أو إطلاق برامج ظرفية، بل يستدعي معالجة اختلالات الجودة وتكافؤ الفرص، وتحسين ظروف عمل الأطر التربوية، وتعزيز مكانة المدرسة والجامعة العموميتين.
أما قطاع الصحة، فيحتاج إلى تسريع إصلاح المنظومة، وتقوية الموارد البشرية، وتحسين توزيع الخدمات بين المدن والمناطق القروية، حتى لا تتحول التغطية الصحية إلى التزام قانوني لا يجد المواطن أثره الكامل في الواقع.
وبالموازاة مع ذلك، تظل الجهوية المتقدمة ورشاً يحتاج إلى نقل فعلي للاختصاصات والموارد، وتعزيز استقلالية القرار الترابي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يسمح بتقليص الفوارق بين الجهات وتحقيق تنمية أكثر توازناً.
اختبار الحكومة الحقيقي يبدأ من النتائج
في المحصلة، لا تكمن قوة أي برنامج حكومي في عدد الوعود التي يتضمنها أو في طموح الأرقام التي يعلنها، وإنما في قدرته على تقديم أجوبة واضحة عن الأسئلة التي تشغل المواطنين: كيف ستنخفض كلفة المعيشة؟ وكيف ستُخلق فرص الشغل؟ وما الإجراءات التي ستضمن محاربة الفساد وتحسين الخدمات العمومية؟
وتبقى هذه الأسئلة مدخلاً أساسياً لتقييم البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، بعيداً عن الأحكام المسبقة، وبالاستناد إلى التدابير الفعلية والنتائج القابلة للقياس.
فالمغرب لا يحتاج فقط إلى وعود جديدة بصياغات مختلفة، بل إلى سياسات عمومية واضحة الأولويات، وآليات تنفيذ فعالة، وشجاعة سياسية في معالجة الاختلالات البنيوية.
وبين الشعارات والانتظارات، سيكون الاختبار الحقيقي للحكومة هو قدرتها على تحويل البرنامج من وثيقة سياسية إلى أثر ملموس في حياة المواطنين، لأن الثقة لا تُبنى بالوعود وحدها، بل بالنتائج التي يلمسها الناس في معيشتهم وفرصهم ومستقبلهم.
