لم يعد الأمر يتعلق بحالات معزولة أو مشاهد عابرة يمكن أن تمر دون انتباه، التعاطي العلني لمختلف أنواع المخدرات في الشوارع والساحات العمومية وأمام الإقامات السكنية تحول اليوم إلى “ظاهرة مزمنة” تفرض نفسها بقوة في عدد من الأحياء، وتثير قلقا متزايدا لدى المواطنين الذين يتابعون بمرارة ما يعتبرونه انحدارا مخيفا يهدد أمن الأحياء ويضع مستقبل الأجيال الصاعدة على المحك.
والمشهد الأكثر حضورا حاليا في عدد من المدن، ضمنها العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، هو أزقة لم تعد فيها المخدرات تستهلك في الخفاء كما كان في السابق، بل على مرأى ومسمع من الجميع، ومجموعات من المدمنين تحتل الأرصفة ومداخل العمارات والفضاءات العامة، وتحولها إلى فضاءات مفتوحة لتعاطي الممنوعات، فارضة على السكان والمارة والزوار التعايش مع هذا الواقع، وأحيانا الرضوخ له تحت ضغط الخوف من الاحتكاك أو المواجهة.
ومع مرور الوقت، لا يتوقف الأمر عند حدود استهلاك المخدرات فقط، بل يتطور إلى عربدة وفوضى وصخب ليلي، يصل في بعض الأحيان إلى ترهيب السكان والدخول في مواجهات مع المارة أو مع كل من يجرؤ على الاعتراض على هذه السلوكات.
وما يثير القلق أكثر في هذا المشهد أن هذه المظاهر أفرزت ما يمكن وصفه بـ “عصابات الأحياء”، التي تفرض وجودها داخل بعض الفضاءات العامة، وتعيد رسم حدود استعمالها وفق “مزاجها الإدماني”.
فالسكان الذين يفترض أن يجدوا في الشارع امتدادا آمنا لفضائهم المعيشي، أصبحوا في بعض المناطق يتجنبون المرور في أوقات معينة أو سلوك بعض الأزقة التي تحولت إلى نقاط تجمع للمدمنين والمنحرفين.
غير أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في ما تسببه هذه السلوكات من اضطراب في الحياة اليومية، بل في قدرتها على استقطاب القاصرين وجرهم تدريجيا نحو مستنقع الإدمان.
فوفق ما يرصده مواطنون في عدد من الأحياء، لم يعد استهداف المراهقين يتم بشكل عفوي، بل أصبح يتم أحيانا بطريقة ممنهجة، عبر إغراءات وعلاقات تنتهي بإدخال فئات عمرية صغيرة إلى عالم المخدرات والانحراف.
ومع اتساع هذه الظاهرة، أصبحت “جيوش المدمنين” تنتقل من حي إلى آخر، وتفرض حضورا يوميا يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الناشئة.
فالأطفال الذين يغادرون منازلهم نحو المدارس، أو يلعبون قرب مساكنهم، يجدون أنفسهم أمام مشاهد لتعاطي المخدرات والعربدة والسلوكات المنحرفة، في صورة لم يكن من المفترض أن تكون جزءا من يومياتهم أو من ذاكرتهم المبكرة.
ولعل الصورة المتداولة، اليوم الجمعة، على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي حظيت بتفاعل واسع وحملت قدرا كبيرا من الألم والحسرة، تعكس حجم القلق الذي بات يسود بين المواطنين.
ويظهر في الصورة، المأخوذة من فيديو يوثق هذا الواقع، مجموعة من القاصرين وهم يتعاطون مواد مخدرة في أحد الأحياء خلال النهار، أمام المارة، في مشاهد ترافقها فوضى وجلبة واضحة.
وأمام هذه الوقائع، النقاش مطروح اليوم لا يتعلق فقط بانتشار المخدرات، بل بما تتركه هذه المشاهد من أثر نفسي واجتماعي عميق، وبما تطرحه من أسئلة حول شكل الأحياء التي ستنشأ فيها الأجيال المقبلة، وحول قدرة المجتمع على حماية فضائه العام من التحول إلى بيئة خصبة للانحراف والإدمان.
إنها ظاهرة تتجاوز بعدها الأمني، لتتحول إلى قضية اجتماعية وتربوية تمس الأسرة والمدرسة والحي والمجتمع بأكمله. فحين يصبح تعاطي المخدرات مشهدا عاديا في الشارع، لا يكون الخطر فقط على من يتعاطاها، بل على مجتمع كامل يجد نفسه أمام تحد متزايد للحفاظ على قيمه وأمنه ومستقبل أبنائه.
عادل الشاوي/ Le12.ma
