تقدم الدكتورة فاطمة الزهراء عتاق، الباحثة في الاتصال السياسي، قراءة تحليلية لبلاغ الديوان الملكي حول تطورات قضية الصحراء المغربية ما بعد نهاية مهمة بعثة المينورسو.
قراءة وفق منهجية أكاديمية اعتمد على 10 مداخل أساسية لقراءة بلاغ ملكي هام أخذا بعين الاعتبار الأبعاد الجيو-سياسية والتحولات الإقليمية الجارية في المنطقة.
وفيما يلي القراءة التحليلية كاملة تنشرها حصريا جريدة Le12.ma لتنوير الرأي العام:
*الدكتورة فاطمة الزهراء عتاق
تدبير مرحلة ما بعد انتهاء مهام بعثة المينورسو وإعادة تموقع القضية الوطنية في سياق التحولات الدبلوماسية والمؤسساتية.
أولاً: السياق العام للبلاغ ودلالته الاستراتيجية
يأتي بلاغ الديوان الملكي الصادر اليوم الأربعاء 4 نونبر 2026 في سياق سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية، بعد التطور الذي أعلنه بلاغ الديوان الملكي بتاريخ 30 أكتوبر 2026، والمتعلق بعدم تجديد مجلس الأمن الدولي ولاية بعثة المينورسو.
غير أن أهمية بلاغ 4 نونبر لا تكمن فقط في تأكيد هذا التطور، وإنما في انتقال الخطاب الرسمي المغربي إلى مستوى جديد من التدبير، يتمثل في الانتقال من الإعلان عن التحول إلى وضع آليات مؤسساتية وأمنية ودبلوماسية لمواكبة نتائجه.
فإذا كان بلاغ 30 أكتوبر قد قدم التطور باعتباره خطوة نحو طي الملف داخل أروقة الأمم المتحدة، فإن بلاغ 4 نونبر يتجه إلى الإجابة عن سؤال أكثر عمقاً:
كيف سيدبر المغرب المرحلة اللاحقة لهذا التحول، بما يضمن حماية السيادة الوطنية، واستمرار الاستقرار، وترسيخ المكتسبات الدبلوماسية والتنموية؟، وأساسا تشبث المملكة بوقف إطلاق النار وحفظ السلام.
وهنا تبرز الدلالة الاستراتيجية الأساسية: الانتقال من منطق تدبير النزاع إلى منطق تدبير مرحلة ما بعد نهاية مهمة بعثة المينورسو.
لقد أكد بلاغ الديوان الملكي، أن الملك محمد السادس ترأس جلسة عمل بالقصر الملكي بالرباط، بحضور رئيسة الحكومة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، ومستشار الملك السيد فؤاد عالي الهمة، والسيد وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، والفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية.
ثانياً: تحليل البنية السياسية والمؤسساتية للبلاغ
1- الانتقال من القرار السياسي إلى التفعيل المؤسساتي
هذا البلاغ لا يكتفي بتثبيت الموقف السياسي للمملكة، بل يربطه بمبدأ التنفيذ والتفعيل.
وتتجلى هذه الدلالة في العبارة الملكية المتعلقة بـ:
«التفعيل الحازم واليقظ لهذه الأولويات، كلٌّ في مجال اختصاصه».
هذه العبارة تحمل ثلاث رسائل مؤسساتية:
* رسالة المسؤولية: تحميل كل مؤسسة مسؤولية التدخل في نطاق اختصاصها.
* رسالة التنسيق: تجاوز التدبير القطاعي المنعزل نحو عمل مؤسساتي متكامل.
* رسالة اليقظة: اعتماد آلية متابعة مستمرة للتطورات، وعدم التعامل مع المرحلة باعتبارها وضعاً مستقراً ونهائياً.
وهذا يعني أن القضية الوطنية لم تعد، في هذا السياق، موضوعاً للدبلوماسية وحدها، بل أصبحت مجالاً للتنسيق بين القرار السياسي والحكومي والإداري والأمني والعسكري.
2- دلالة الحضور المؤسساتي في جلسة العمل
إن تركيبة الحضور ليست تفصيلاً بروتوكولياً، وإنما تحمل دلالة سياسية واضحة.
– حضور السيدة رئيسة الحكومة يعني ضمان الامتداد الحكومي والسياسات العمومية
– حضور السيد مستشار الملك يعني التنسيق الاستراتيجي ومواكبة التوجهات الملكية
– حضور السيد وزير الداخلية التدبير الترابي والإداري والتنسيق مع البعثة
– حضور القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية استحضار متطلبات الأمن والدفاع والاستقرار وحفظ السلام وتكريس إلتزام المملكة بإتفاق وقف إطلاق النار الموقع تحت إشراف الأمم المتحدة عام 1991.
إن تركيبة الحضور في جلسة عمل واحدة يعكس مقاربة شمولية لتدبير المرحلة المقبلة.
والأهم أن حضور رئيسة الحكومة ووزير الداخلية والقيادة العسكرية يبرز أن المرحلة ليست مجرد متابعة دبلوماسية، بل مرحلة تتطلب جاهزية مؤسساتية متعددة الأبعاد.
ثالثاً: التحليل العميق للرسائل السياسية والاستراتيجية
1- السيادة الوطنية باعتبارها المحدد المركزي
حيث يضع البلاغ سلامة أراضي المملكة ووحدتها وأمنها الوطني وطمأنينة المواطنين في مقدمة الأولويات.
وهذا الترتيب ليس اعتباطياً؛ فهو يؤسس لتصور متكامل للسيادة، لا يختزلها في بعدها القانوني أو الترابي، بل يربطها أيضاً بالاستقرار الاجتماعي والأمن الإنساني.
ومن منظور العلوم السياسية، نحن أمام تصور للسيادة يجمع بين:
* السيادة الترابية.
* السيادة الأمنية.
* السيادة المؤسساتية.
* السيادة التنموية.
وهذه نقطة جوهرية، لأن نجاح أي تحول سياسي مرتبط بقدرة الدولة على تحويل المكتسبات السياسية والدبلوماسية إلى واقع ملموس يشعر به المواطن.
2- . استمرار وقف إطلاق النار: رسالة قوة وضبط للنفس
من أقوى الرسائل التي تضمنها البلاغ تأكيد التزام المملكة بوقف إطلاق النار، ووصفه بأنه:
«التزام إرادي لن يتغير بانتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة».
تحمل هذه العبارة أهمية استراتيجية كبيرة؛ لأنها تفصل بين مسألتين:
الأولى: التطور المرتبط بمستقبل البعثة الأممية.
الثانية: التزام المغرب بخيار المحافظة على السلام والاستقرار.
وبذلك يوجه المغرب رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن انتهاء مهام بعثة المينورسو، وفق ما أعلنه البلاغ، لا يعني التخلي عن الالتزامات المتعلقة بالسلام، ولا يعني الانتقال إلى منطق التصعيد.
إنها رسالة تجمع بين تأكيد السيادة وتأكيد المسؤولية الدولية.
3- إعادة تعريف العلاقة مع الأمم المتحدة
يستحق هذا الجانب قراءة دقيقة.
فالبلاغ لا يعلن القطيعة مع منظمة الأمم المتحدة، بل يؤكد صراحة أن مواكبة المرحلة ستتم بروح المسؤولية والتعاون معها.
وهنا يجب التمييز بين أمرين:
* الاعتراض على استمرار صيغة مؤسساتية معينة لتدبير النزاع.
* رفض التعاون مع المنظمة الدولية أو التنصل من الالتزامات الدولية.
البلاغ يؤكد الخيار الثاني بصورة معاكسة تماماً: استمرار التعاون، مع إعادة تنظيم آليات تدبير المرحلة.
وهذه مقاربة يمكن وصفها بأنها إعادة تموقع داخل الإطار الدولي، وليس انسحاباً من الشرعية الدولية.
4- تكليف مكتب التنسيق مع المينورسو: من الدبلوماسية إلى التدبير التنفيذي
من أكثر العناصر أهمية في البلاغ إسناد مهام التنسيق ومواكبة عملية تصفية وانسحاب البعثة إلى مكتب التنسيق مع المينورسو التابع لوزارة الداخلية.
وهذا التطور يحمل دلالات متعددة:
أولاً، الانتقال من مستوى المواقف السياسية إلى مستوى التدبير الإداري والعملياتي.
ثانياً، إسناد وظيفة التنسيق إلى مؤسسة وطنية قائمة، بما يسمح بمواكبة الإجراءات المرتبطة بإنهاء مهام البعثة.
ثالثاً، الحرص على أن تتم العملية في ظروف منظمة وسلسة، وبما يحفظ التعاون مع الأمم المتحدة.
رابعاً، إبراز الدور المحوري لوزارة الداخلية في تدبير المرحلة من زاوية التنسيق المؤسساتي والترابي.
وهنا يمكن تسجيل تحول في طبيعة الفاعل المركزي:
فبعد أن كانت البعثة الأممية تشكل أحد مكونات الإطار الميداني للنزاع، يبرز الآن دور المؤسسات الوطنية في مواكبة الترتيبات المرتبطة بانتهاء مهامها.
رابعا: البعد التنموي والاجتماعي: الانتقال من تثبيت السيادة إلى ترسيخ شرعيتها التنموية
من أهم ما ينبغي التوقف عنده في البلاغ أنه لم يحصر الأولويات في الجانب السياسي والأمني، بل ربطها صراحة بمواصلة المشروع التنموي للأقاليم الجنوبية والمشاريع المهيكلة المرتبطة به.
وهذه الإشارة بالغة الأهمية من منظور التحليل الاستراتيجي.
فالمغرب، من خلال هذا التوجه، يؤكد أن تثبيت الوحدة الترابية لا ينفصل عن بناء نموذج تنموي قادر على إنتاج الاستقرار والاندماج والعدالة المجالية.
يمكن قراءة هذا التوجه من خلال ثلاثة مستويات:
المستوى الأول: التنمية باعتبارها رافعة للسيادة.
فكلما تعززت البنيات التحتية والاستثمارات وفرص الشغل والخدمات العمومية، أصبحت التنمية عنصراً أساسياً في ترسيخ الاندماج الترابي والاجتماعي.
المستوى الثاني: المواطن باعتباره مركز السياسات العمومية.
إن الإشارة إلى طمأنينة ساكنة الأقاليم الجنوبية تعني أن الرهان لا يتعلق فقط بالمواقف الدولية، بل كذلك بالأمن الاجتماعي والثقة في المؤسسات وجودة الحياة.
المستوى الثالث: الاستمرارية المؤسساتية.
إن تأكيد مواصلة المشاريع المهيكلة يعني أن التحولات الدبلوماسية لا ينبغي أن تؤدي إلى تعطيل الأوراش التنموية، بل يجب أن تكون مناسبة لتسريعها وتحسين أثرها على المواطنين.
وهنا أطرح أطروحة أساسية:
إن المرحلة المقبلة ستقاس ليس فقط بمدى نجاح المغرب في تثبيت مكتسباته الدبلوماسية، بل بقدرته على تحويل هذه المكتسبات إلى نتائج تنموية واجتماعية ومؤسساتية قابلة للقياس.
خامساً: البعد الدبلوماسي وإعادة تشكيل موازين التأثير الدولي
يستحضر البلاغ الدينامية الدولية التي قادها الملك محمد السادس، وما أسفرت عنه من اعترافات ومواقف داعمة لسيادة المغرب على صحرائه، واعتبار الحكم الذاتي الحل السياسي الوحيد الذي يوفر مقومات الطي النهائي للنزاع.
هذه الإشارة تعكس انتقالاً في مركز الثقل الدبلوماسي من مجرد الدفاع عن الموقف المغربي إلى العمل على توسيع دائرة الدول التي تتبنى مقترح الحكم الذاتي.
ومن المهم هنا التمييز بين ثلاثة مستويات:
* الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء.
* دعم مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
* المشاركة الفعلية في تهيئة الظروف السياسية والدبلوماسية للتسوية النهائية.
فهذه المستويات متكاملة، لكنها ليست متطابقة من حيث طبيعتها القانونية والسياسية.
والرهان المغربي، وفق ما يعكسه البلاغ، هو تحويل الزخم الدبلوماسي إلى أرضية أكثر رسوخاً للتسوية السياسية.
ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة للتوازنات الإقليمية؟
إن استمرار الدينامية الثنائية والإقليمية يضع الفاعلين الإقليميين أمام واقع دبلوماسي متغير.
فكلما توسعت دائرة الدعم الدولي للحكم الذاتي، تزايدت الحاجة إلى إعادة تقييم المواقف الإقليمية، والانتقال من منطق إدامة النزاع إلى منطق البحث عن تسوية سياسية قابلة للتنفيذ.
لكن ينبغي التنبيه إلى أن هذا التحول لا يعني تلقائياً انتهاء الخلافات الإقليمية، أو تحقق تسوية نهائية؛ فذلك يظل مرتبطاً بالتفاعلات الدبلوماسية والقانونية والسياسية المقبلة.
سادساً: قراءة اتصالية في الخطاب المؤسساتي للبلاغ
هذا المحور، في تقديري، من أكثر المحاور أهمية، خصوصاً عند إخضاع البلاغ لمقاربة التواصل السياسي والمؤسساتي.
فالبلاغ ليس مجرد ناقل للمعلومات، وإنما أداة لتأطير الحدث وتوجيه فهمه وتحديد الرسائل التي ينبغي أن تصل إلى مختلف الفئات المستهدفة.
1-. من الاتصال الإخباري إلى الاتصال الاجرائي
إعلان تطور دولي
كيفية مواكبة المرحلة
تأطير التحول السياسي
تأطير التنفيذ المؤسساتي
إبراز المكتسب الدبلوماسي
تأكيد الجاهزية الوطنية
توجيه رسالة إلى الخارج
توجيه رسالة إلى الداخل والخارج
إعلان نهاية مرحلة
تنظيم المرحلة اللاحقة
وهذا الانتقال يعكس تطوراً في وظيفة الاتصال الرسمي: من صناعة المعنى السياسي للحدث إلى بناء الثقة في قدرة المؤسسات على تدبير نتائجه.
2-. هندسة الرسائل الضمنية
يمكن استخراج خمس رسائل اتصالية أساسية:
* رسالة الطمأنة: الدولة تتابع التطورات وتستعد لمختلف الاحتمالات.
* رسالة الاستمرارية: الموقف الوطني ثابت رغم تغير الإطار المؤسساتي الدولي.
* رسالة الانضباط: كل مؤسسة تتحمل مسؤوليتها وفق اختصاصها.
* رسالة السلام: انتهاء مهمة البعثة لا يغير الالتزام المغربي بوقف إطلاق النار.
* رسالة التنمية: ساكنة الأقاليم الجنوبية تظل في صلب الاهتمام الملكي والمؤسساتي.
إن اجتماع هذه الرسائل في وثيقة واحدة يساهم في إنتاج خطاب متوازن يجمع بين الحزم والطمأنة، وبين السيادة والانفتاح، وبين الثبات والتكيف.
3- الجمهور المستهدف في الخطاب
لا يتوجه البلاغ إلى جمهور واحد، بل يمكن تحديد أربع دوائر اتصالية:
الدائرة الوطنية: المواطنون والأحزاب السياسية والمؤسسات الدستورية والرأي العام.
الدائرة الترابية: ساكنة الأقاليم الجنوبية والفاعلون المحليون والمنتخبون والهيئات المدنية.
الدائرة الدولية: الأمم المتحدة والدول الصديقة والشقيقة والشركاء الاستراتيجيون.
الدائرة الإقليمية: الأطراف الإقليمية المعنية بالنزاع ومحيط المغرب الجيوسياسي.
وهنا تبرز أهمية الاتصال المؤسساتي في ضمان وحدة الرسالة الرسمية، وتفادي التناقض بين الخطاب السياسي والممارسة الإدارية والدبلوماسية.
سابعاً: ما الذي يعلنه البلاغ وما الذي يتركه مفتوحاً؟
* ما يؤكده البلاغ:
– عدم تجديد ولاية المينورسو وفق البلاغ السابق
– التفاصيل القانونية والإجرائية النهائية لإنهاء وجود البعثة
– تكليف مكتب التنسيق بمواكبة الانسحاب
– الجدول الزمني وآليات التنفيذ
– استمرار الالتزام بوقف إطلاق النار
– آليات المراقبة والترتيبات البديلة
– مواصلة المشاريع التنموية
– وتيرة الإنجاز والأثر الاجتماعي
– استمرار الدينامية الدبلوماسية
– شكل التسوية السياسية النهائية
وهذه التفرقة ضرورية لتجنب الخلط بين الموقف السياسي المغربي والنتائج القانونية أو الدولية التي تحتاج إلى قرارات وترتيبات مستقلة.
فعدم تجديد ولاية بعثة أممية لا ينبغي، من الناحية التحليلية، أن يُفهم وحده باعتباره تسوية نهائية للنزاع أو اختفاءً تلقائياً لكل المسارات الأممية ذات الصلة.
إن هذه الدقة هي التي تمنح القراءة الأكاديمية مصداقيتها.
ثامناً: التحديات الاستراتيجية التي تطرحها المرحلة المقبلة
رغم أهمية التحول الذي يعكسه البلاغ، فإن المرحلة المقبلة تطرح مجموعة من التحديات التي ينبغي التعامل معها برؤية استباقية.
1- تحدي ما بعد المينورسو
إن انتهاء مهام البعثة، وفق المسار الذي أعلنه البلاغ، يطرح سؤالاً حول الترتيبات المؤسساتية التي ستواكب المرحلة اللاحقة، خصوصاً في ما يتعلق بالاستقرار ومتابعة التطورات الميدانية والتواصل مع الأمم المتحدة.
وهنا تبرز ضرورة وضوح الاختصاصات وتكامل الأدوار المؤسساتية.
2- تحدي المحافظة على الزخم الدبلوماسي
المكتسبات الدبلوماسية تحتاج إلى استمرارية في العمل، وليس فقط إلى الاحتفاء بها.
ويتطلب ذلك:
* توسيع دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي.
* تعزيز الدبلوماسية البرلمانية والحزبية.
* تطوير الدبلوماسية الاقتصادية.
* تقوية التواصل مع مراكز الدراسات والجامعات الدولية.
* الاستثمار في الدبلوماسية الرقمية والإعلامية.
3- تحدي تنزيل الحكم الذاتي
إن الحكم الذاتي لا ينبغي أن يظل مجرد مقترح سياسي حاضر في الخطاب الدبلوماسي، بل يتطلب إعداداً مؤسساتياً وقانونياً وتنظيمياً متكاملاً.
وهنا تبرز أهمية التفكير في نموذج حكامة ترابية متقدم، يوازن بين مقتضيات السيادة الوطنية ومتطلبات التدبير المحلي والمشاركة الديمقراطية.
4 ـ تحدي العدالة المجالية
إن التنمية في الأقاليم الجنوبية ينبغي أن تتجاوز منطق المشاريع الكبرى إلى قياس أثرها المباشر على المواطن.
ويشمل ذلك التشغيل، والتعليم، والصحة، والسكن، والاستثمار، وتمكين الشباب والنساء، وتقوية المشاركة السياسية والمدنية.
5- تحدي إدارة الصورة الدولية للمغرب
كل تحول استراتيجي يحتاج إلى سياسة تواصلية قادرة على تفسير أبعاده وتقديم حججه القانونية والسياسية والتنموية.
ومن الضروري ألا تترك المملكة المجال مفتوحاً أمام التأويلات المتضاربة أو الحملات الإعلامية المضادة.
تاسعاً: التوصيات الاستراتيجية من منظور التواصل السياسي والمؤسساتي
يجب ان تشكل المرحلة المقبلة مناسبة لإرساء استراتيجية وطنية متكاملة للتواصل بشأن القضية الوطنية، ترتكز على ستة محاور:
1. توحيد الخطاب المؤسساتي: ضمان الانسجام بين الخطاب الحكومي والدبلوماسي والترابي والإعلامي.
2. إنتاج معرفة استراتيجية: إعداد تقارير ودراسات دورية باللغة العربية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية حول التطورات السياسية والقانونية والتنموية.
3- تفعيل الدبلوماسية الأكاديمية: إشراك الجامعات ومراكز التفكير والباحثين في تقديم حجج علمية رصينة حول مبادرة الحكم الذاتي.
4- تعزيز الاتصال الترابي: جعل ساكنة الأقاليم الجنوبية شريكاً أساسياً في إنتاج الخطاب التنموي والسياسي، وليس مجرد متلقية له.
5-. تطوير الدبلوماسية الرقمية: بناء محتوى إعلامي احترافي يستهدف الرأي العام الدولي، ويعتمد المعطيات الموثقة والخرائط والبيانات والمؤشرات التنموية.
6- اعتماد آلية للرصد والتقييم: قياس مدى انتشار الرسائل الرسمية، وتحليل التفاعلات الإعلامية والدولية، وتصحيح الاختلالات التواصلية.
عاشراً: الخلاصة السياسية الكبرى للبلاغ
إن القراءة المتأنية لبلاغ 4 نونبر 2026 تسمح باستخلاص ما يلي:
– المغرب ينتقل من مرحلة تدبير النزاع في إطار آلية أممية استمرت 35 سنة، إلى مرحلة تدبير التحول السياسي والمؤسساتي والدبلوماسي الذي يفرضه التطور الجديد، مع المحافظة على ثوابت السيادة الوطنية والتزاماته الدولية.
– لا تكمن أهمية البلاغ في كونه يعلن ترتيبات مرتبطة بانتهاء مهام بعثة المينورسو فحسب، بل في كونه يحدد فلسفة التعامل مع المرحلة المقبلة، القائمة على التكامل بين القرار الملكي والجاهزية المؤسساتية والأمن والاستقرار والتنمية والدبلوماسية.
– إنه بلاغ يتضمن خطابا سياسيا يؤسس لمعادلة سياسية واضحة:
* السيادة دون التفريط في السلام.
* الحزم دون الانزلاق إلى التصعيد.
* الانفتاح الدولي دون المساس بالثوابت الوطنية.
* المكتسب الدبلوماسي مقروناً بالإنجاز التنموي.
* القرار الاستراتيجي مقروناً بالمسؤولية المؤسساتية.
اعتمد البلاغ خطابا مؤسستيا وسياسيا تدور محاوره من تدبير النزاع إلى هندسة مرحلة ما بعد النزاع: التحول الاستراتيجي في مقاربة المغرب لقضيته الوطنية.
إن بلاغ الديوان الملكي بتاريخ 4 نونبر 2026 يعكس انتقالاً نوعياً في فلسفة التدبير السياسي للقضية الوطنية، حيث لم يعد التحدي مقتصراً على تثبيت الموقف المغربي في المحافل الدولية، وإنما أصبح مرتبطاً بقدرة الدولة على هندسة مرحلة جديدة تتطلب إعادة تنظيم الوظائف المؤسساتية، وتعزيز الجاهزية الأمنية، واستثمار المكتسبات الدبلوماسية، وتسريع التحول التنموي للأقاليم الجنوبية.
ومن هذا المنطلق، فإن التحول الحقيقي لا يقاس فقط بانتهاء ولاية آلية أممية، وإنما بمدى قدرة المغرب على بناء نموذج متكامل لتدبير المرحلة اللاحقة، يجمع بين الشرعية الوطنية والفاعلية المؤسساتية والقبول الدولي والتنمية المستدامة.
وعليه يجب وضع اسئلة استراتجية:
* هل يمثل بلاغ 4 نونبر بداية تحول في هندسة تدبير القضية الوطنية، أم مجرد مرحلة انتقالية في المسار الدبلوماسي؟
* كيف يمكن تحويل الزخم الدولي الداعم للحكم الذاتي إلى آليات عملية لتسوية النزاع؟
* ما طبيعة الأدوار الجديدة التي ستضطلع بها المؤسسات الوطنية في مرحلة ما بعد المينورسو؟.
* كيف يمكن التوفيق بين متطلبات السيادة الوطنية والتعاون مع الأمم المتحدة؟
* ما الدور الذي ينبغي أن يلعبه الاتصال السياسي والمؤسساتي في حماية المكتسبات الدبلوماسية؟
* كيف يمكن الانتقال من شرعية الإنجاز الدبلوماسي إلى شرعية الإنجاز
أرى أن القيمة المضافة في تناول هذا البلاغ تكمن في عدم الاكتفاء بقراءته من زاوية قضية الصحراء المغربية وحدها، بل إخضاعه لتحليل أوسع يربط بين القرار الملكي، وتحولات النظام الدولي، وإعادة هندسة المؤسسات، والتواصل السياسي، والحكامة الترابية.
«إن الرهان المغربي في مرحلة ما بعد المينورسو لم يعد مقتصراً على تدبير نهاية مهمة أممية، بل يتمثل في بناء شروط الانتقال من إدارة النزاع إلى هندسة التسوية وترسيخ نموذج وطني متكامل للسيادة والتنمية والحكامة».
* باحثة في الاتصال السياسي

