قبل أكثر من سنة من موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، تبدو بعض معارك الرباط وكأنها حُسمت نفسياً قبل أن تبدأ ميدانياً.

فالمشهد السياسي بالعاصمة يكشف عن حركة انتقال غير عادية لمنتخبين وأسماء وازنة من أحزاب مختلفة نحو حزب التجمع الوطني للأحرار، في مؤشر سياسي لا يخلو من الدلالات حول موازين القوة التي تتشكل بهدوء استعداداً للاستحقاقات المقبلة.

ففي الوقت الذي اختار فيه حزب الأحرار الدفع بوجه شاب هو طه الجماني لقيادة لائحته التشريعية بدائرة المحيط، تتسع دائرة الحديث عن إمكانية التحاق أسماء أخرى ذات وزن انتخابي وتجربة تدبيرية مهمة بالحزب، من قبيل إبراهيم الحماني، رئيس مقاطعة اليوسفية والبرلماني السابق باسم حزب الأصالة والمعاصرة.

كما جاء التحاق عبد الحق مجاهد، أحد أبرز الوجوه المرتبطة بالحركة الشعبية في يعقوب المنصور، ليؤكد أن الأمر لا يتعلق بحالات فردية معزولة، بل باتجاه سياسي آخذ في الاتساع.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا يستقطب الأحرار هذه الأسماء، بل لماذا أصبحت أحزاب أخرى عاجزة عن الاحتفاظ بها؟.

في السياسة، نادراً ما يهاجر المنتخبون نحو الأحزاب التي يعتقدون أنها تتجه نحو التراجع.

فالمنتخب المحلي بطبيعته يبحث عن فضاء سياسي يمنحه فرصة أكبر للحضور والتأثير وتحقيق الوعود التي يقدمها للناخبين.

وعندما تتكرر حالات المغادرة من أكثر من حزب في اتجاه واحد، فإن الأمر يعكس بالضرورة تحولاً في موازين الثقة السياسية.

الأحرار يستفيدون اليوم من معطى أساسي يتمثل في قيادتهم للحكومة، لكن هذا العامل وحده لا يفسر حجم الاستقطابات الجارية.

فالحزب نجح خلال السنوات الأخيرة في بناء صورة سياسية تقوم على التنظيم والانضباط والقدرة على تدبير الاستحقاقات الانتخابية بمنطق استباقي، وهو ما جعله أكثر جاذبية بالنسبة لعدد من المنتخبين الباحثين عن موقع متقدم داخل المشهد المقبل.

في المقابل، تبدو أحزاب عريقة كالحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والأصالة والمعاصرة مطالبة بطرح أسئلة صعبة على نفسها.

فخسارة منتخب أو اثنين قد تكون أمراً عادياً في الحياة السياسية، لكن تحول المغادرة إلى ظاهرة متكررة يعني وجود خلل أعمق يتعلق بالقدرة على التأطير السياسي، أو بإدارة الطموحات المحلية، أو بغياب رؤية مقنعة للمستقبل.

اللافت أيضاً أن الرباط لم تعد فقط ساحة تنافس انتخابي، بل أصبحت مختبراً مبكراً لتحالفات وتموقعات ما بعد 2026.

لذلك فإن كل انتقال سياسي اليوم يحمل في طياته رسالة تتجاوز حدود الشخص المعني لتصل إلى الحزب الذي غادره والحزب الذي استقبله.

غير أن الرهان الحقيقي أمام الأحرار لا يكمن في استقطاب الأسماء فقط، بل في تحويل هذه المكاسب التنظيمية إلى قاعدة انتخابية متماسكة.

فالتاريخ السياسي المغربي مليء بأمثلة أحزاب نجحت في جمع المنتخبين لكنها فشلت في تحويل ذلك إلى مشروع سياسي قادر على إقناع الناخبين على المدى البعيد.

ومع ذلك، فإن ما يجري حالياً بالعاصمة يوحي بأن حزب التجمع الوطني للأحرار اختار الدخول مبكراً في معركة 2026، ليس عبر الخطابات والشعارات، بل عبر استقطاب الفاعلين المؤثرين على الأرض.

أما الأحزاب المنافسة، فتبدو مطالبة أكثر من أي وقت مضى بإيقاف نزيف الكفاءات والمنتخبين قبل أن تجد نفسها تخوض الانتخابات المقبلة بصفوف أقل عدداً وأضعف حضوراً.

وإذا استمرت هذه الدينامية بالوتيرة نفسها، فقد لا يكون السؤال في الرباط سنة 2026 من سيفوز بالانتخابات، بل ما حجم الفارق الذي سيصنعه الأحرار مقارنة بباقي منافسيه.

جلال حسناوي / Le12.ma

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *