تقييم حصيلة حزب الاستقلال داخل حكومة أخنوش، حزب بقطاعات استراتيجية، حصيلة تقنية متميزة، لكن بثقل سياسي أقل من تاريخه.

بقلم: الدكتور إدريس الفينة

تقييم حزب الاستقلال داخل حكومة أخنوش يجب أن ينطلق من ملاحظة أساسية: الحزب لا يقود الحكومة، لكنه يتحمل مسؤولية قطاعات ذات أثر استراتيجي مباشر، خصوصاً الماء والتجهيز، الصناعة والتجارة، النقل واللوجستيك، التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، التجارة الخارجية، والإدماج الاجتماعي.

بعد تعديل أكتوبر 2024، أصبح تمثيله أقل من تمثيل التجمع والبام من حيث عدد الحقائب الوزارية، حيث  تتوزع الحقائب إلى أربع حقائب وزارية للاستقلال مقابل سبع للتجمع وسبع للبام، مع حصول كل حزب من أحزاب الأغلبية على كاتبي دولة.

1. لائحة وزراء حزب الاستقلال في الحكومة

الأسماء الأساسية المحسوبة على حزب الاستقلال داخل حكومة أخنوش الثانية هي:

تعيين عبد الصمد قيوح ونعيمة بن يحيى جاء لتعويض وزيرين استقلاليين غادرا الحكومة، هما محمد عبد الجليل وعواطف حيار، بينما دخل عمر حجيرة وعبد الجبار الرشيدي ضمن موجة إحداث كتابات الدولة في تعديل 23 أكتوبر 2024.

أولاً: قطاع الماء والتجهيز : أقوى نقطة في رصيد حزب الاستقلال

أقوى حقيبة استقلالية هي بلا شك وزارة التجهيز والماء بقيادة نزار بركة.

فهذا القطاع يوجد في قلب اهم تحدٍّ يواجه المغرب: الأمن المائي. المغرب عاش سبع سنوات صعبة من الجفاف، وتراجعت حقينات السدود بشكل مقلق، ثم جاءت سنة 2026 بتحسن كبير في التساقطات وارتفاع نسبة ملء السدود إلى حوالي 75%–76% في أبريل/ماي 2026، مقابل حوالي 40% قبل سنة، مع احتياطات قاربت 13 مليار متر مكعب. 

لكن الإنصاف يقتضي القول إن هذا التحسن ليس نتيجة السياسة العمومية وحدها، بل نتيجة التساقطات الاستثنائية أيضاً.

ومع ذلك، تُحسب للوزارة ثلاثة عناصر مهمة: تسريع مشاريع الربط المائي بين الأحواض، تعميم خيار تحلية مياه البحر، وتوسيع الاستثمار في السدود والمياه غير التقليدية.

المغرب يشغل حالياً 17 محطة لتحلية المياه، ويُنجز أربع محطات إضافية، ويستهدف إنتاج 1,7 مليار متر مكعب سنوياً من المياه المحلاة في أفق 2030، مع رفع حصة الماء المحلى في تزويد المدن بالماء الشروب إلى 60% في أفق 2030 مقابل حوالي 25% حالياً. 

نقطة القوة هنا أن حزب الاستقلال، عبر نزار بركة، يوجد في قطاع يعطيه صورة “حزب الدولة التدبيرية”: الطرق، الماء، السدود، الموانئ، البنية التحتية.

لكن نقطة الضعف أن السياسة المائية ما زالت تتحرك غالباً بمنطق زيادة العرض: سدود، تحلية، تحويل المياه؛ بينما لم يتقدم المغرب بنفس القوة في إصلاح الطلب: نجاعة الري، تسعير الماء، إعادة استعمال المياه العادمة، محاربة التسربات، ومراجعة الزراعات المستهلكة للماء.

وقد أقر نزار بركة نفسه بوجود اختلال سابق بين وتيرة السياسة الفلاحية والسياسة المائية، خاصة في ظل تمدد زراعات مستنزفة للفرشة المائية. 

حصيلة قوية نسبياً، بل هي الأبرز داخل مشاركة حزب الاستقلال، لكنها ما تزال ناقصة لأنها لم تنتقل بالكامل من “تدبير الأزمة” إلى “إعادة هندسة النموذج المائي”.

ثانياً: الصناعة والتجارة : نتائج صناعية قوية، لكن الميزان التجاري يبرز هشاشة النموذج

وزارة الصناعة والتجارة بقيادة رياض مزور تمثل ثاني أقوى رصيد لحزب الاستقلال. الأرقام الصناعية إيجابية بوضوح: حسب بارومتر الصناعة، بلغ رقم معاملات الصناعة المغربية سنة 2024 حوالي 898 مليار درهم، مع ارتفاع الاستثمار الصناعي بأكثر من 30%.

كما حافظ قطاع السيارات على موقعه كأول قطاع تصديري، حيث بلغت صادراته سنة 2024 حوالي 157,6 مليار درهم، بارتفاع 6,3%. 

كما نجح المغرب في تثبيت موقعه في سلاسل القيمة العالمية، خاصة السيارات والطيران والبطاريات. توسعة مصنع Stellantis بالقنيطرة، باستثمار يقارب 1,2 مليار يورو، سترفع طاقته الإنتاجية إلى 535 ألف سيارة سنوياً، وتدعم هدف تجاوز المغرب عتبة مليون سيارة كقدرة إنتاجية سنوية. كما يستهدف المغرب رفع الإدماج المحلي في السيارات إلى 75% في أفق 2030. 

وفي الطيران، تعزز موقع المغرب باستثمارات Safran الجديدة، حيث سيحتضن المغرب خط تجميع لمحركات Airbus بطاقة 350 محركاً سنوياً ابتداءً من 2028، إضافة إلى مصنع صيانة بطاقة 150 محركاً سنوياً.

القطاع يضم حوالي 150 شركة ويوظف 25 ألف شخص، وبلغت صادراته 26 مليار درهم سنة 2024. 

لكن الوجه الآخر للحصيلة هو الميزان التجاري. فالمغرب ينجح في التصدير أكثر، لكنه يستورد بوتيرة أسرع.

في 2025، بلغت الواردات 822,2 مليار درهم، مقابل صادرات بـ 469,1 مليار درهم، ليرتفع العجز التجاري إلى حوالي 353,1 مليار درهم، بزيادة 15,8%، مع تراجع معدل التغطية بـ 2,9 نقاط. 

هذا هو التناقض المركزي في حصيلة رياض مزور: الصناعة تتقدم، لكن النموذج الصناعي ما زال عالي التبعية للاستيراد.

جزء كبير من الصادرات الصناعية يعتمد على مدخلات مستوردة، والتصنيع لم يتحول بعد بما يكفي إلى قاعدة واسعة لإنتاج المكونات، الآلات، المدخلات الوسيطة والتكنولوجيا.

كما عرفت سنة 2025 صعوبة في صادرات السيارات، إذ تراجعت صادرات القطاع بـ 2,9% إلى غاية نهاية غشت 2025، خصوصاً بسبب انخفاض فرع البناء/التجميع، رغم تحسن الكابلاج والطيران والفوسفاط. 

الحكم القطاعي: حصيلة صناعية جيدة ومقنعة في الاستثمار والتموقع العالمي، لكنها غير كافية تجارياً لأن العجز الخارجي يتوسع.

قوة الوزارة في جذب الاستثمار، وضعفها في تعميق الإدماج المحلي وتقليص الاعتماد على الواردات.

ثالثاً: النقل واللوجستيك: دينامية قوية في البنيات، لكن السلامة الطرقية نقطة سوداء

وزارة النقل واللوجستيك عرفت تغييراً بعد التعديل الحكومي، حيث حل عبد الصمد قيوح محل محمد عبد الجليل.

القطاع دخل مرحلة حاسمة بسبب الاستعدادات لكأس العالم 2030، وتوسيع المطارات، وتطوير السكك الحديدية، واللوجستيك.

من المؤشرات المهمة أن المطارات المغربية سجلت سنة 2025 حوالي 36,3 مليون مسافر، بارتفاع 11% مقارنة بسنة 2024، كما ارتفعت حركات الطائرات بنحو 9% إلى حوالي 265 ألف حركة، وناهز الشحن الجوي 100 ألف طن. 

في السكك الحديدية، أعلن عبد الصمد قيوح أن مشروع الخط فائق السرعة القنيطرة–مراكش بلغ حوالي 30% من الإنجاز في ماي 2026، وهو مشروع استراتيجي مرتبط بربط محاور كأس العالم وتحسين التنقل بين المراكز الكبرى. 

كما تشير معطيات ONCF إلى أن رقم معاملات المكتب تجاوز 5 مليارات درهم سنة 2025، وهي أول مرة يصل فيها إلى هذا المستوى، مع عودة نتيجة الاستغلال إلى الإيجابية. 

لكن نقطة الضعف الكبرى،تبقى ، هي السلامة الطرقية. سنة 2025 سجلت 160.347 حادثة جسمانية، بارتفاع 12,7%، و4.577 قتيلاً، بارتفاع 25,5%، و10.333 جريحاً بليغاً، بزيادة 10,8%.

هذه الأرقام تجعل حصيلة النقل غير متوازنة: يمكن أن ننجح في المطارات والقطارات والموانئ، لكن لا يمكن الحديث عن نجاح كامل إذا كانت الطرق تقتل أكثر. 

الحكم القطاعي: أداء جيد في البنيات الكبرى والنقل الجوي والسككي، لكن السلامة الطرقية تمثل فشلاً واضحاً ومكلفاً اجتماعياً.

هذا القطاع يحتاج إلى صدمة إصلاحية في المراقبة، التربية الطرقية، النقل المهني، البنيات المحلية، والعقوبات الذكية.

رابعاً: التضامن والأسرة والإدماج الاجتماعي : قطاع حساس، أثره ضعيف في وعي المواطن

وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة انتقلت من عواطف حيار إلى نعيمة بن يحيى.

هذا القطاع صعب التقييم لأن جزءاً كبيراً من السياسة الاجتماعية الكبرى، مثل الدعم الاجتماعي المباشر والتغطية الصحية، لا يوجد حصرياً بيد هذه الوزارة، بل هو ورش حكومي وملكي ومؤسساتي واسع.

مع ذلك، يظل الحزب مسؤولاً عن ملفات النساء، الأطفال، الأشخاص في وضعية إعاقة، مؤسسات الرعاية، الأسرة، والإدماج الاجتماعي.

في الحصيلة السابقة للقطاع، تم الإعلان عن مواكبة أكثر من 84 ألف امرأة ضمن برنامج “جسر”، وعن تكوين أكثر من 80 ألف امرأة بغلاف مالي بلغ 386 مليون درهم، إضافة إلى أكثر من 100 مركز استقبال لمساعدة النساء ضحايا العنف. 

وفي ملف الإعاقة، رُصد خلال 2022 و2023 حوالي مليار درهم لخدمات لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة، وارتفع عدد الأطفال المستفيدين من الدعم المدرسي من 16 ألفاً إلى 21 ألف طفل، مع رفع الدعم الشهري لكل طفل إلى 1.200 درهم مقابل 700 درهم سابقاً. 

وفي 2025، أعلنت نعيمة بن يحيى أن المغرب يتوفر على 1.311 مؤسسة حماية اجتماعية بطاقة استقبال تناهز 115 ألف مستفيد، من أطفال ونساء في وضعية هشاشة ومسنين وأشخاص في وضعية إعاقة.

كما أُطلقت سنة 2026 enquête وطنية حول الإعاقة بشراكة مع HCP وONDH وUNFPA، وهو عنصر مهم لأن المغرب يحتاج إلى معطيات حديثة لتوجيه سياسات الإدماج. 

لكن نقطة الضعف أن هذا القطاع لا يزال يغلب عليه منطق الرعاية الاجتماعية أكثر من منطق الإدماج الاقتصادي والاجتماعي الكامل. مؤسسات الرعاية موجودة، لكن السؤال الحقيقي هو: كم شخصاً خرج من الهشاشة؟ كم امرأة انتقلت إلى دخل قار؟ كم شخصاً في وضعية إعاقة اندمج في سوق العمل؟ ما أثر البرامج على العنف ضد النساء؟ وما أثرها في العالم القروي؟ هنا ما تزال المؤشرات ضعيفة أو غير كافية.

الحكم القطاعي: حصيلة إنسانية واجتماعية مهمة، لكنها أقل قوة من حيث الأثر القابل للقياس. القطاع يحتاج إلى مؤشرات نتائج لا فقط مؤشرات خدمات.

خامساً: التجارة الخارجية: الحقيبة الأصعب سياسياً

إحداث كتابة دولة مكلفة بالتجارة الخارجية بقيادة عمر حجيرة كان اعترافاً بأن التجارة الخارجية أصبحت ملفاً استراتيجياً. لكن التوقيت صعب جداً: المغرب يواجه عجزاً تجارياً متفاقماً، خصوصاً مع آسيا والصين، وتوسعاً للواردات في منتجات التجهيز والاستهلاك والمدخلات الصناعية.

في 2025، كما سبق، ارتفع العجز التجاري إلى 353,1 مليار درهم، مع واردات بـ 822,2 مليار درهم وصادرات بـ 469,1 مليار درهم. معنى ذلك أن التجارة الخارجية لم تعد ملفاً تقنياً، بل أصبحت قضية سيادة إنتاجية. 

الاختبار الحقيقي لعمر حجيرة ليس تنظيم المعارض أو دعم المصدرين فقط، بل بناء سياسة هجومية بثلاثة أهداف: فتح أسواق جديدة، تقليص التبعية المفرطة لبعض مناطق الاستيراد، ودفع المقاولات المغربية إلى التصدير المنتظم لا الموسمي.

إذا بقيت كتابة الدولة في مستوى التنشيط الإداري، فلن تغير شيئاً. أما إذا تحولت إلى عقل استراتيجي للتجارة الخارجية، فقد تصبح إحدى أهم أدوات الإصلاح الاقتصادي.

الحكم القطاعي: الحكم النهائي مؤجل، لأن الكتابة حديثة، لكن المؤشرات الخارجية تضعها أمام تحدٍّ ضخم: الصادرات تتحسن رقمياً، لكن العجز يتوسع بنيوياً.

سادساً: الحصيلة السياسية للحزب، حضور تقني جيد، ضعف في الرؤية السياسية

حزب الاستقلال يملك تاريخاً سياسياً مشهود به، لكنه داخل حكومة أخنوش ظهر أكثر كحزب تدبير قطاعي منه كحزب يقود خطاباً سياسياً واضحاً.

نزار بركة حاضر بقوة في الماء، رياض مزور حاضر في الصناعة، قيوح بدأ يتحرك في النقل، ونعيمة بن يحيى تشتغل على الاجتماعي. لكن المواطن لا يرى دائماً “بصمة استقلالية موحدة” داخل الحكومة.

المفارقة أن حزب الاستقلال يتوفر على مشروعية تاريخية قادرة على إنتاج خطاب قوي حول العدالة الاجتماعية، السيادة الاقتصادية، الطبقة الوسطى، المقاولة الوطنية، العالم القروي، والمدرسة العمومية.

لكنه في هذه الحكومة لم يستثمر بما يكفي هذا الرصيد الرمزي. ظهر كحزب مسؤول، لكنه لم يظهر كقوة فكرية تقود نقاشاً وطنياً جديداً.

الخلاصة العامة: حصيلة متوسطة إلى إيجابية تقنياً، لكنها غير قوية سياسياً

يمكن تلخيص أداء حزب الاستقلال داخل حكومة أخنوش في خمس خلاصات:

1. أقوى نقطة للحزب هي الماء والتجهيز: القطاع تحرك بقوة، خاصة في التحلية والربط المائي والسدود، لكن الإصلاح لم يصل بعد إلى عقلنة الطلب على الماء.

2. الصناعة تمثل رصيداً مهماً: أرقام الاستثمار والصادرات والسيارات والطيران قوية، لكن العجز التجاري يكشف أن التصنيع المغربي لم يتحول بعد إلى سيادة إنتاجية كاملة.

3. النقل واللوجستيك يعرفان دينامية واضحة: المطارات والسكك الحديدية في صعود، لكن السلامة الطرقية نقطة سوداء لا يمكن تبريرها.

4. التضامن والأسرة قطاع مهم لكنه ضعيف الأثر السياسي: هناك برامج ومؤسسات وأرقام، لكن المواطن لا يلمس دائماً تحولاً حقيقياً في أوضاع الفئات الهشة.

5. الحزب أقوى تقنياً من حضوره السياسي: وزراؤه يشتغلون، لكن الحزب لم ينجح بعد في تحويل المشاركة الحكومية إلى مشروع سياسي واضح للانتخابات المقبلة.

لذلك يمكن القول إن حصيلة حزب الاستقلال داخل حكومة أخنوش هي حصيلة مسؤولة، تقنية، ومقبولة في قطاعات كبرى، لكنها ليست حصيلة هجومية أو تحولية بالمعنى السياسي.

الحزب أدار ملفات استراتيجية، لكنه لم يفرض بعد روايته الخاصة: كيف يبني المغرب سيادته المائية؟ كيف ينتقل من التصنيع الموجه للتصدير إلى التصنيع العميق؟ كيف يحمي الطبقة الوسطى؟ كيف يربط الدولة الاجتماعية بالإنتاج؟ وكيف يحول التضامن من مساعدة إلى إدماج؟.

إذا أراد حزب الاستقلال أن يدخل انتخابات 2026 بقوة، فعليه ألا يكتفي بالدفاع عن حصيلة وزرائه، بل أن يقدم نفسه كحزب قادر على قيادة انتقال المغرب من دولة البرامج إلى دولة النتائج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *