زفت حكومة عزيز أخنوش، عن طريق وزارة الداخلية، إلى ذوي الحقوق من أعضاء الجماعات السلالية، دورية وزارية، طال انتظارها ولم ترى النور على عهد الحكومات السابقة.
الدورية، تفتح صفحة جديدة ومنصفة لعدد من ذوي الحقوق من ضحايا بعض نواب الجماعات السلالية.
ففي خطوة حاسمة طال انتظارها من طرف ملايين المواطنين المنتسبين للجماعات السلالية بمختلف ربوع المملكة، أصدرت وزارة الداخلية (مديرية الشؤون القروية) الدورية الوزارية رقم 2703 المتممة للدورية رقم 2716 (الصادرة بتاريخ 26 فبراير 2020).
في المقال التالي، تقدم جريدة Le12.ma، قراءة قانونية وتحليلية مفصلة في مقتضيات الدورية الوزارية رقم 2703 المتممة للدورية 2716 وإنهاء جدل “شرط الإقامة”.
الرباط / امحمد العمري / جريدة Le12.ma
تفتح الدورية الوزارية رقم 2703، المتممة للدورية رقم 2716 الصادرة في 26 فبراير 2020، صفحة جديدة في تدبير لوائح أعضاء الجماعات السلالية، من خلال توحيد المساطر المتعلقة بإعداد هذه اللوائح وتحيينها، وتوضيح عدد من المقتضيات التي ظلت، لسنوات، موضوع تأويلات متباينة، لاسيما ما يتعلق بشرط الإقامة.
وتكتسي هذه الدورية أهمية خاصة بالنظر إلى الارتباط المباشر للوائح أعضاء الجماعات السلالية بممارسة عدد من الحقوق، وفي مقدمتها الانتفاع بالأراضي الجماعية، والاستفادة من عمليات التمليك، والمشاركة في الاستحقاقات المرتبطة بتدبير أملاك الجماعة، فضلاً عن الاستفادة من العائدات الناتجة عن بعض عمليات الاستثمار أو التفويت أو الكراء.
وتأتي الوثيقة، الصادرة عن وزارة الداخلية ممثلة في مديرية الشؤون القروية، في سياق تنزيل الإصلاحات التي حملها القانون رقم 62.17 المتعلق بالوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها، والمرسوم رقم 2.19.973 الصادر في 9 يناير 2020 بتطبيق أحكام هذا القانون.


لوائح ذوي الحقوق.. مدخل أساسي لإصلاح منظومة الأراضي السلالية
تشكل عملية إعداد وتحيين لوائح أعضاء الجماعات السلالية إحدى أكثر المراحل حساسية في منظومة تدبير الأراضي الجماعية، باعتبارها تحدد الأشخاص الذين تتوفر فيهم شروط العضوية والاستفادة من الحقوق المرتبطة بهذه الأملاك.
وتزداد أهمية هذه العملية في ظل الأوراش التي أطلقتها الدولة لتثمين الأراضي السلالية وتعبئتها للاستثمار، فضلاً عن مسار تمليك الأراضي الفلاحية البورية لفائدة مستغليها من ذوي الحقوق، وفق المستجدات التشريعية والتنظيمية التي عرفتها المنظومة خلال السنوات الأخيرة.
وتشير الدورية إلى أن عمليات التحريات الميدانية التي قامت بها مختلف اللجان المركزية التابعة للوزارة، فضلاً عن الدورات التكوينية المنظمة لفائدة نواب الجماعات السلالية، وكذا العدد الكبير من الشكايات المتوصل بها، كشفت عن وجود صعوبات وإكراهات في إعداد وتحيين اللوائح.
وترجع الوثيقة جانباً من هذه الإشكالات إلى الفهم غير الدقيق لبعض المقتضيات القانونية والتنظيمية، أو إلى اختلاف طرق تطبيقها من جماعة سلالية إلى أخرى.
ومن هنا، جاء تدخل الوزارة بهدف توحيد المساطر وتوضيح المعايير التي يتعين اعتمادها، بما يحد من الاختلاف في تفسير النصوص ويعزز حماية حقوق ذوي الحقوق.
شرط الإقامة.. المعيار الذي أثار أكبر قدر من الجدل
يأتي مفهوم الإقامة في مقدمة المقتضيات التي حظيت باهتمام خاص في الدورية الجديدة.
فقد شكل هذا الشرط، خلال السنوات الماضية، محور عدد من النزاعات المرتبطة بالتسجيل في لوائح الجماعات السلالية، خصوصاً عندما كان يتم تفسيره باعتباره مرادفاً للسكن الدائم والفعلي داخل الدوار أو الجماعة.
غير أن الدورية تسعى إلى رفع هذا اللبس من خلال اعتماد مفهوم أوسع للإقامة، يأخذ بعين الاعتبار طبيعة العلاقة التي تربط الشخص بجماعته السلالية، ولا يحصرها في مجرد عنوان السكن.
وتنص الدورية، في هذا السياق، على أن: “الإقامة لا تعني فقط السكن الدائم بالجماعة، بل تهم كل من ظل مرتبطاً بجماعته السلالية ويتردد عليها باستمرار، أو يتوفر على حصة جماعية آلت إليه عن طريق توزيع حقوق الانتفاع، أو مخلفة عن والده أو والدته، أو زوجه أو زوجته طبقا لمقتضيات المادة 19 من المرسوم التطبيقي للقانون رقم 62.17…”
وتضيف الوثيقة أن الأمر يرتبط كذلك باستغلال الحصة بصفة شخصية، وما يقتضيه ذلك من حضور بالجماعة وتواصل مستمر معها والمساهمة في الأعباء الجماعية، وفق التقاليد والأعراف المعمول بها داخل كل جماعة سلالية.
وبذلك، فإن الدورية لا تتعامل مع الإقامة باعتبارها مجرد وجود مادي دائم داخل المجال الترابي للجماعة، وإنما تنظر إليها في إطار علاقة أوسع تشمل الارتباط بالجماعة والتردد عليها والاستفادة الشخصية من الحقوق والمساهمة في أعبائها.
النساء السلاليات.. الزواج خارج الجماعة لا يعني، في حد ذاته، سقوط الحقوق
ويكتسي هذا التوضيح أهمية خاصة بالنسبة إلى النساء السلاليات المتزوجات والمقيمات خارج الجماعة التي ينتمين إليها.
ففي حالات عديدة، ارتبط الانتقال إلى بيت الزوج أو الاستقرار في مدينة أخرى بتغيير محل الإقامة، وهو ما كان يثير إشكالات عندما يتم ربط الاستفادة حصراً بالسكن الدائم داخل الجماعة.
غير أن المقتضيات الجديدة، مقروءة في ضوء مبدأ المساواة بين النساء والرجال الذي أقره القانون رقم 62.17، تجعل مجرد تغيير محل السكن غير كاف، في حد ذاته، للحسم في مسألة العضوية، متى ظلت العلاقة القانونية والفعلية بالجماعة قائمة واستوفيت باقي الشروط.
ويعني ذلك أن المرأة السلالية لا ينبغي أن تواجه وضعاً قانونياً مختلفاً لمجرد كونها امرأة أو لمجرد انتقالها إلى مقر إقامة جديد بسبب الزواج.
كما أن الإشارة الواردة في الدورية إلى انتقال الحصة الجماعية عن طريق الأب أو الأم أو الزوج أو الزوجة تعكس توجهاً نحو التعامل مع الحقوق وفق قواعد أكثر انسجاماً مع مبدأ المساواة، ومع التحولات التي عرفها المجتمع المغربي.
العمال والعاملات بالمدن.. ماذا عن من غادروا موطنهم بحثاً عن العمل؟
لا تقتصر أهمية توضيح مفهوم الإقامة على النساء المتزوجات.
فعدد مهم من أفراد الجماعات السلالية يعيشون خارج موطنهم الأصلي بسبب العمل أو الدراسة أو ظروف اقتصادية واجتماعية، خصوصاً في المدن الكبرى.
وبموجب القراءة التي تقدمها الدورية، فإن مغادرة الجماعة لأسباب مهنية لا ينبغي أن تتحول تلقائياً إلى قرينة على انعدام العلاقة بها، إذا كان الشخص لا يزال يتردد عليها، أو يتوفر على حصة جماعية يستغلها بصفة شخصية، أو يواصل ارتباطه بها ويشارك في أعبائها وفق ما تقرره الأعراف والممارسات المعمول بها.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين عدم السكن الدائم وانعدام الإقامة بالمفهوم الذي اعتمدته الدورية.
فالأول لا يعني بالضرورة الثاني.
أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج.. هل يشملهم المفهوم الموسع؟
وتتصل المسألة نفسها بالمغاربة المقيمين بالخارج ممن ينحدرون من جماعات سلالية ويحتفظون بعلاقات مع جماعاتهم الأصلية.
فالهجرة إلى الخارج لا تعني، وفق المنطق الذي تقوم عليه الدورية، بالضرورة انقطاع الصلة بالجماعة.
غير أن الاستفادة لا تقوم بمجرد إثبات الانحدار من الجماعة، وإنما تظل مرتبطة باستيفاء الشروط القانونية، وعلى رأسها الانتساب وبلوغ سن الرشد والإقامة بالمفهوم الذي حددته النصوص، مع إمكانية إثبات عناصر الارتباط الفعلي بالجماعة.
ويكتسي هذا المقتضى أهمية عملية بالنسبة إلى أفراد الجالية الذين قد يجدون أنفسهم أمام إشكالات مرتبطة بتسجيلهم في اللوائح بسبب إقامتهم خارج المغرب.
ثلاثة معايير أساسية للتسجيل في اللوائح
استندت الدورية في تحديد شروط التسجيل إلى المادة الأولى من المرسوم رقم 2.19.973، التي تؤطر معايير العضوية في الجماعات السلالية.
وتقوم هذه المعايير على ثلاثة عناصر أساسية:
أولاً: الانتساب إلى الجماعة السلالية المعنية.
ويتعين أن يكون الشخص منتمياً إلى الجماعة المعنية وفق قواعد الانتساب المعترف بها، بما في ذلك النسب والمصاهرة، بحسب الحالات والمقتضيات القانونية ذات الصلة.
ثانياً: بلوغ سن الرشد القانوني.
ويشكل بلوغ سن الرشد أحد الشروط الأساسية لاكتساب صفة العضو وفق المقتضيات المنظمة للوائح.
ثالثاً: الإقامة بالجماعة السلالية.
غير أن الإقامة، كما توضح الدورية، لا ينبغي حصرها في السكن الدائم، وإنما يتعين النظر إليها في ضوء استمرار الارتباط بالجماعة، والتردد عليها، واستغلال الحقوق الجماعية بصفة شخصية، والحضور والتواصل والمساهمة في الأعباء وفق الأعراف المعمول بها.
وهذه المعايير الثلاثة يتعين قراءتها مجتمعة، وليس اعتماد أحدها بمعزل عن باقي الشروط.
آجال محددة لإعداد وتحيين اللوائح
وضعت الدورية مسطرة زمنية واضحة لتفادي بقاء عملية إعداد اللوائح أو تحيينها مفتوحة دون سقف زمني.
وتنطلق العملية بدعوة كتابية يوجهها عامل العمالة أو الإقليم إلى جماعة النواب المعنية.
وتحدد مدة إعداد أو تحيين اللائحة في ثلاثة أشهر من تاريخ توصل جماعة النواب بالدعوة، مع إمكانية التمديد بصفة استثنائية لمدة شهر واحد إضافي، بناء على طلب معلل.
وتسعى هذه الآجال إلى ضمان انتظام العملية وربطها بإطار زمني واضح، بما يحول دون تعطيل مصالح ذوي الحقوق أو تأخير تحيين المعطيات المتعلقة بأعضاء الجماعة.
توقيع كل صفحة.. ضمانة ضد التغيير اللاحق
ومن بين الإجراءات التي تستهدف تعزيز سلامة اللوائح، إلزام نواب الجماعات السلالية بالتوقيع على كل صفحة من صفحات اللائحة التي يتم إعدادها.
كما يتم التصديق على التوقيعات في الصفحة الأخيرة من اللائحة.
وتكتسي هذه الإجراءات أهمية عملية، بالنظر إلى أن اللائحة تمثل وثيقة ذات آثار مباشرة على حقوق الأفراد، وأن ضمان سلامتها منذ إعدادها إلى حين المصادقة عليها يمثل جزءاً أساسياً من حماية حقوق ذوي الحقوق.
فالغاية ليست فقط تحديد الأسماء، وإنما كذلك ضمان عدم إدخال تعديلات غير موثقة أو تغيير محتوى الوثيقة خارج المساطر المحددة.
الطعن.. باب قانوني أمام من أغفل اسمه أو أدرج اسمه غيره
لم تكتف الدورية بتحديد كيفية إعداد اللوائح، وإنما أولت أهمية خاصة لمسطرة الطعن، باعتبارها إحدى أهم الضمانات التي تمكن المتضررين من تصحيح الأخطاء أو مواجهة الإقصاء غير المشروع.
ويحق للمعني بالأمر تقديم طعن كتابي لدى السلطة المحلية المختصة، مقابل وصل مختوم ومؤرخ.
ويتعين أن يكون الطعن مدعماً بالوثائق والحجج التي يستند إليها الطاعن لإثبات حقه.
كما يتم تسجيل الطعون في سجل خاص لدى السلطة المحلية، بما يضمن توثيقها وتتبع مآلها.
وتشمل حالات الطعن، على الخصوص، إغفال إدراج شخص تتوفر فيه شروط الاستحقاق، أو إدراج شخص لا تتوفر فيه الصفة السلالية.
ولا تقتصر المبادرة إلى الطعن على الأشخاص المتضررين فقط، إذ يمكن للسلطة المحلية نفسها التدخل وتقديم طعن عندما يتبين لها إدراج أشخاص لا تتوفر فيهم الشروط القانونية.
لماذا تعد هذه المسطرة مهمة؟
تكمن أهمية هذه المقتضيات في أنها تجعل اللائحة قابلة للمراجعة ولا تعتبر مجرد وثيقة نهائية بمجرد إعدادها من طرف جماعة النواب.
وبذلك، فإن الشخص الذي يعتبر نفسه متضرراً لا يكون أمام خيار وحيد يتمثل في قبول قرار الإقصاء، بل تتاح له مسطرة إدارية محددة يمكن من خلالها عرض حججه ووثائقه.
كما أن إلزامية تقديم الطعن كتابة والحصول على وصل وتسجيله في سجل خاص يوفر عناصر توثيق يمكن الرجوع إليها عند حدوث نزاع لاحق.
الإشهار لمدة شهرين.. من الإخبار المحلي إلى النشر الإلكتروني
وتولي الدورية أهمية كبيرة لمرحلة إشهار اللوائح، باعتبار أن معرفة ذوي الحقوق بمضمونها شرط أساسي لممارسة حقهم في الطعن.
وفي هذا الإطار، تنص المقتضيات الواردة في الوثيقة على تعليق اللوائح بمقر القيادة لمدة شهرين متتاليين، إلى جانب اعتماد مختلف وسائل الإشهار المناسبة لضمان وصول المعلومات إلى أكبر عدد ممكن من المعنيين.
وتشمل وسائل الإشهار، بحسب الدورية، المناداة في الأسواق الأسبوعية وغيرها من الوسائل الملائمة لطبيعة كل منطقة.
وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة في المناطق القروية، حيث لا يكفي الاعتماد على وسيلة إدارية واحدة لضمان علم جميع المعنيين بمحتوى اللوائح.
الرقمنة.. توثيق إلكتروني للوائح
من بين المقتضيات اللافتة كذلك اعتماد التوثيق الرقمي للبيانات المتعلقة بأعضاء الجماعات السلالية.
وتشمل المعطيات التي يتعين توطينها، وفق الوثيقة، الرقم الترتيبي والاسم الكامل ورقم البطاقة الوطنية، ضمن ملفات رقمية بصيغة Excel تتم موافاة مديرية الشؤون القروية بها.
ويهدف هذا الإجراء إلى تعزيز توحيد المعطيات على المستوى المركزي، وتسهيل عملية المراقبة والتتبع، فضلاً عن الحد من التلاعب بالنسخ الورقية.
كما يشكل التوثيق الرقمي قاعدة للانتقال من تدبير محلي متفرق إلى منظومة أكثر انتظاماً في تجميع وتحليل المعطيات المتعلقة بأعضاء الجماعات السلالية.
النشر الإلكتروني.. هل أصبح بإمكان ذوي الحقوق الاطلاع عن بعد؟
تذهب الدورية أبعد من التوثيق الرقمي الداخلي، من خلال التنصيص على نشر اللوائح المصادق عليها إلكترونياً عبر البوابة المخصصة للجماعات السلالية.
وبحسب المقتضيات الواردة في الوثيقة، يتم نشر اللوائح خلال أجل شهرين، بما يتيح للمعنيين الاطلاع عليها وتحميلها، بما في ذلك الأشخاص الموجودون خارج الجماعة أو خارج المغرب.
وهذا المستجد يمكن أن تكون له أهمية خاصة بالنسبة إلى أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج والعمال المقيمين في المدن، لأن الاطلاع عن بعد يقلل من العقبات المرتبطة بضرورة الحضور الشخصي إلى مقر الجماعة أو القيادة.
كما يرفع النشر الإلكتروني من مستوى الشفافية، لأن اللائحة تصبح متاحة أمام عدد أكبر من الأشخاص، وليس فقط أمام الموجودين في المجال الترابي للجماعة.
بين صلاحيات النواب والرقابة الإدارية
لا تعني عملية إعداد اللوائح أن جماعة النواب تتمتع بسلطة مطلقة ونهائية في تحديد أعضاء الجماعة السلالية.
فالمنظومة التي وضعتها النصوص تجمع بين دور جماعة النواب باعتبارها ممثلة للجماعة السلالية، وبين إشراف ومراقبة السلطات الإدارية المختصة.
وتتدخل السلطة المحلية في مراحل إعداد اللوائح وإشهارها وتلقي الطعون وتتبعها، فيما تضطلع مجالس الوصاية بالأدوار المحددة لها قانوناً في مجال النظر في النزاعات والطعون.
ويعكس هذا التنظيم توجهاً نحو توزيع المسؤوليات بين مختلف المتدخلين، بما يقلص مخاطر ترك القرار المتعلق بالعضوية بيد جهة واحدة.
هل تعني الدورية إلغاء «شرط الإقامة»؟
الجواب الأدق هو لا.
فالدورية لا تلغي شرط الإقامة، وإنما تضع حداً للتفسير الذي يحصره في السكن الدائم والفعلي داخل الجماعة.
وهذا التفصيل أساسي لفهم الوثيقة.
فالمشرع أبقى الإقامة ضمن المعايير القانونية للتسجيل في لوائح أعضاء الجماعات السلالية، بينما جاءت الدورية لتوضح أن هذه الإقامة يمكن أن تتجسد في علاقة فعلية ومستمرة بالجماعة، وفق العناصر التي حددتها، من قبيل التردد والاستغلال الشخصي للحصة والتواصل والمساهمة في الأعباء الجماعية.
وبالتالي، فإن الانتقال إلى المدينة أو الزواج أو الإقامة خارج المغرب لا ينبغي أن يتحول، بمجرده، إلى سبب آلي للإقصاء، كما أن الانتساب العائلي وحده لا يكفي بالضرورة لتجاوز باقي الشروط.
هل تنصف الدورية «ضحايا النواب»؟
من منظور قانوني، يمكن القول إن الدورية توفر ضمانات أقوى للأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم متضررين من طريقة إعداد اللوائح، خصوصاً إذا كان سبب الإقصاء الوحيد هو اعتماد تفسير ضيق لمعيار الإقامة.
غير أن وصف جميع الحالات السابقة بأنها نتاج «تعسف النواب» يظل مسألة تحتاج إلى التحقق من كل حالة على حدة.
فالاختلاف في تفسير شرط الإقامة لا يعني بالضرورة، في كل واقعة، وجود سوء نية أو شطط في استعمال السلطة.
والأهم في المرحلة المقبلة هو ضمان تطبيق موحد للمقتضيات الجديدة، حتى لا ينتقل الاختلاف من مستوى النص إلى مستوى الممارسة المحلية.
اختبار التطبيق.. من النص إلى الواقع
تضع الدورية إطاراً أكثر تفصيلاً لإعداد وتحيين اللوائح، وتحدد معايير التسجيل، وتوسع مفهوم الإقامة، وتضبط عملية الإشهار، وتقر آليات للطعن، فضلاً عن إدماج الرقمنة والنشر الإلكتروني.
غير أن فعالية هذه الضمانات ستظل مرتبطة بكيفية تنزيلها ميدانياً.
فنجاح الإصلاح يقتضي أن يتم التعامل مع جميع طلبات التسجيل والتحيين وفق المعايير نفسها، وأن تكون قرارات القبول أو الرفض مؤسسة على عناصر موضوعية، وأن يحصل المتضررون على المعلومات اللازمة لممارسة حقهم في الطعن داخل الآجال المحددة.
كما يظل النشر الإلكتروني الفعلي للوائح وتحديثه بصورة منتظمة عاملاً حاسماً في تحقيق الغاية المرجوة من الرقمنة.
خلاصة.. معركة اللوائح تبدأ من مفهوم الإقامة وتنتهي عند ضمان الحق في الطعن
تؤشر الدورية الوزارية رقم 2703، المتممة للدورية رقم 2716، على رغبة في توحيد الممارسة الإدارية المتعلقة بإعداد وتحيين لوائح أعضاء الجماعات السلالية، في مرحلة أصبحت فيها هذه اللوائح ذات أهمية متزايدة بفعل التحولات التي تعرفها منظومة الأراضي السلالية.
ويبرز من بين أهم مستجداتها توضيح مفهوم الإقامة، الذي لم يعد من المناسب اختزاله في السكن الدائم، وإنما يتعين تقييمه في ضوء الارتباط الفعلي والمستمر بالجماعة، وفق العناصر المحددة في الوثيقة.
كما تعزز مساطر الإشهار والطعن والتوثيق والرقمنة حماية ذوي الحقوق، وتمنح الأشخاص الذين أغفلت أسماؤهم أو سجلوا بطريقة يرونها غير قانونية إمكانية اللجوء إلى مساطر إدارية محددة لإعادة النظر في وضعيتهم.
وتحمل هذه المقتضيات أهمية خاصة بالنسبة إلى النساء السلاليات، والأشخاص الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم الأصلية بسبب العمل أو الدراسة، وأفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، متى ظلوا مستوفين للشروط القانونية واحتفظوا بالعلاقة التي تثبت ارتباطهم بالجماعة.
وبذلك، فإن جوهر الدورية لا يتمثل في «إلغاء شرط الإقامة»، وإنما في منع تحويله إلى شرط جامد يقوم فقط على مكان السكن، واعتماد مفهوم يأخذ بعين الاعتبار الارتباط الفعلي بالجماعة وحقوقها والتزاماتها.
ويبقى الرهان الأساسي هو التطبيق.
فإذا جرى احترام هذه المقتضيات من طرف جماعات النواب والسلطات المحلية ومجالس الوصاية، وتمكين المعنيين من الاطلاع على اللوائح والطعن فيها ضمن الآجال والمساطر المحددة، فإن الدورية يمكن أن تشكل آلية مهمة لتصحيح عدد من الاختلالات التي عرفتها عملية إعداد لوائح ذوي الحقوق.
أما إذا استمرت التأويلات المحلية المتباينة، فإن الإشكال الذي سعت الوثيقة إلى حسمه قد يعود من جديد، ولكن هذه المرة على مستوى التطبيق.
ومن ثم، فإن السؤال الحاسم الذي ستجيب عنه الممارسة خلال المرحلة المقبلة ليس ما إذا كانت الدورية قد وسعت مفهوم الإقامة فحسب، وإنما ما إذا كان هذا المفهوم سيطبق بصورة موحدة، شفافة ومنصفة على جميع أفراد الجماعات السلالية، نساء ورجالاً، مقيمين داخل المغرب أو خارجه.
