إسبانيا سعيدة اليوم أنها وقعت اتفاقية إزالة الحدود بينها وبين جبل طارق الخاضع للسيادة البريطانية، وهي حدود قائمة منذ 313 سنة، لكنها غاضبة من أن مغاربة يريدون تكسير الحدود بينهم وبين أرض مغربية تحتلها.
أحمد الدافري – كاتب صحفي
ما حدث قبل أسبوعين بين إسبانيا وبين المملكة المتحدة بخصوص جبل طارق هو ما ينبغي أخذه في الاعتبار بخصوص مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين
وهو حدث تاريخي لا يريد فهمه “الضبع والنطيحة وما أكل السبع” من الذين يُسَبّحون بحمد جهلهم بأنواع الحروب التي تُخاض من أجل تحقيق المصالح وفرض التوازنات الإقليمية.
الحدث هو الحرب القديمة التي استطاع الاتحاد الأوروبي أن يكسبها لفائدة إسبانيا التي وقعت اتفاقية تاريخية ببروكسل يوم 14 يوليوز 2026 مع المملكة المتحدة حول جبل طارق، الذي يحتله الإنجليز منذ سنة 1713 ،
وهي معاهدة تفرض إزالة السياج الفاصل بين جبل طارق وبين الأراضي الإسبانية، وتسمح بالتنقل اليومي للإسبانيين دون الخضوع لأي تفتيش أو مراقبة الجوازات، ومنهم الآلاف من العمال، بين نقطة العبور في مدينة “لالينيا دي لا كونثيبثيون” الإسبانية وبين جبل طارق، بحرية تامة، ودون أية حواجز جمركية أو أمنية.
هو اتفاق فرحت به الحكومة الإسبانية واعتبرته معاهدة تاريخية، في وقت تعرض فيه هذا الاتفاق لانتقادات من أحزاب المعارضة داخل المملكة المتحدة.
والعجيب في هذا الاتفاق أن وزير خارجية إسبانيا الذي وقعه وأعلن عنه بفخر وعلى أساس أنه إنجاز تاريخي عظيم، قال بأنه لا يعني تغيير موقف مدريد من المطالبة بالسيادة على إقليم جبل طارق الذي لازال تحت السيادة البريطانية.
جيد.
هذا الاتفاق أزال السياج وعمليات التفتيش الروتينية بين إسبانيا وجبل طارق الذي أصبح إقليما يتماشى مع نظام منطقة “شنغن”، مع احتفاظه بصفته البريطانية وبقائه خارج الاتحاد الأوروبي.
رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، تحدث بفخر عن هذا الاتفاق، وقال عنه بأنه إغلاق لجرح ينزف وسقوط لآخر جدار في أوروبا، بينما صرح رئيس حكومة جبل طارق، فابيان بيكاردو، بأن “أوروبا قد عادت”،
ورئيس حكومة جبل طارق هذا يحمل الجنسية البريطانية وهو منتخب من ساكنة جبل طارق ويمثل تحالفا سياسيا يجمع بين حزب العمل الاشتراكي في جبل طارق والحزب الليبرالي في جبل طارق،
بينما حاكم جبل طارق الذي يمثل التاج البريطاني هو الفريق “السور بين باثورست” وهو جنرال بارز في الجيش البريطاني، كان سابقا هو الممثل العسكري للمملكة المتحدة لدى حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.
الاتفاق المذكور، يمنح عناصر الأمن الإسباني دورا في إجراءات التفتيش بموانئ جبل طارق، وهو ما اعتبرته المعارضة في بريطانيا، تنازلا عن السيادة.
اتفاق جبل طارق هذا، بعد أن أزال السياج المادي وعمليات التفتيش الروتينية عند الحدود، وضع اليوم حدا لطوابير الانتظار الطويلة التي طالما عطلت الحياة اليومية للعابرين،
وأضحى جبل طارق مندرجا ضمن منطقة “شنغن” الخالية من التأشيرات مع بقائه إقليما بريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي.
وهكذا، بعد وقت قصير من منتصف ليل 16 يوليوز 2026، عبرت السيارات المارة من إسبانيا إلى جبل طارق دون توقف لإجراء فحص الجمارك أو جوازات السفر للمرة الأولى، واختفى السياج الذي طالما ميّز الحدود وما يرافقه من طوابير.
إسبانيا سعيدة اليوم أنها وقعت اتفاقية إزالة الحدود بينها وبين جبل طارق الخاضع للسيادة البريطانية، وهي حدود قائمة منذ 313 سنة، لكنها غاضبة من أن مغاربة يريدون تكسير الحدود بينهم وبين أرض مغربية تحتلها، وترفض أن تدخل في مفاوضات لإنهاء الاحتلال.
هذا هو ما يسمى العجرفة الاستعمارية.
وهذا ما كان.
