من يشارك في الحكومة؟ ومن يفضل موقع المعارضة؟ وبين هذين السؤالين، تدخل فاطمة الزهراء المنصوري الجولة الثانية من مفاوضات تشكيل الأغلبية، وسط تعدد الصيغ والخيارات المطروحة.

الأغلبية الواسعة لبناء التحالف الحكومي ليست مجرد جمع للمقاعد، كما أن تقليص عدد مكوناتها لا يعني بالضرورة أن الطريق سيكون أكثر سهولة.

وبين الصيغتين تبرز حسابات أخرى تتصل بالبرنامج الحكومي، وحجم المشاركة، والتوازنات السياسية داخل الأغلبية، وطبيعة المواقع التي سيحصل عليها كل طرف.

تقرير إخباري – عادل الشاوي

تدخل مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة مرحلة أكثر حساسية، مع انطلاق، اليوم الاثنين، الجولة الثانية التي تأتي بعد محطة أولى بعثت خلالها مختلف مكونات الخريطة البرلمانية برسائل سياسية، والتقطت فاطمة الزهراء المنصوري بدورها إشارات متعددة فتحت الباب أمام جملة من التكهنات بشأن شكل الأغلبية المقبلة وحدودها.

غير أن الجولة الثانية تبدو مختلفة في طبيعتها عن سابقتها. فالأحزاب السياسية لم تعد تتعامل مع المشاورات باعتبارها مجرد اتصالات أولية لجس النبض، بعدما شرعت في ترتيب مواقفها داخليا وتفويض قياداتها لتولي التفاوض بشأن موقعها في الهندسة الحكومية المرتقبة.

وخلال نهاية الأسبوع، منحت المجالس الوطنية لكل من الأصالة والمعاصرة، المتصدر للانتخابات، والاستقلال، والتجمع الوطني للأحرار، والحركة الشعبية، تفويضا لأمنائها العامين لتولي مهام التفاوض المرتبطة بتشكيل الحكومة.

وفي الاتجاه نفسه، فوض المكتب السياسي للاتحاد الدستوري بالإجماع أمينه العام محمد جودار قيادة المشاورات مع رئيسة الحكومة المعينة والمكلفة بتشكيل الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري.

أما حزب التقدم والاشتراكية، فيتجه بدوره إلى حسم موقفه من المشاركة في الحكومة أو الاصطفاف خارجها، من خلال الدورة الاستثنائية للجنة المركزية المقررة غدا الثلاثاء.

من جس النبض إلى التفاوض

هذه التطورات تمنح الجولة الثانية طبيعة مختلفة، إذ لم تعد المشاورات تدور فقط حول معرفة مواقف الأحزاب، وإنما تقترب من صلب التفاوض حول شكل الأغلبية وتركيبتها وبرنامجها، وصولا إلى توزيع المسؤوليات داخل الحكومة.

واللافت أن الحساب العددي يوفر، في حد ذاته، هامشا واسعا أمام رئيسة الحكومة المكلفة. فالأصالة والمعاصرة حصل على 97 مقعدا، مقابل 66 للتجمع الوطني للأحرار و65 للاستقلال، ما يجعل اجتماع هذه الأحزاب الثلاثة كافيا لتشكيل أغلبية برلمانية واسعة.

وبذلك، لا تبدو العقدة الأساسية مرتبطة بالوصول إلى العدد الكافي لتشكيل الأغلبية، بقدر ما ترتبط بالسؤال الذي يبدأ بعد انتهاء الحسابات الرقمية، أي أغلبية تريد المنصوري؟.

فالأغلبية الواسعة ليست مجرد جمع للمقاعد، كما أن تقليص عدد مكوناتها لا يعني بالضرورة أن الطريق سيكون أكثر سهولة. وبين الصيغتين تبرز حسابات أخرى تتصل بالبرنامج الحكومي، وحجم المشاركة، والتوازنات السياسية داخل الأغلبية، وطبيعة المواقع التي سيحصل عليها كل طرف.

الثلاثي أم أغلبية موسعة؟

تبدو صيغة تجمع الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال إحدى الصيغ التي تفرض نفسها حسابيا في بداية الجولة الثانية، خصوصا أن الأحزاب الثلاثة تحتل مواقع متقدمة في الخريطة البرلمانية.

لكن الحساب العددي لا يحسم وحده شكل الأغلبية. فالحركة الشعبية، التي فوضت أمينها العام محمد أوزين مواصلة المشاورات، والاتحاد الدستوري الذي فوض محمد جودار، والتقدم والاشتراكية الذي يستعد لحسم موقفه، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، تمثل أيضا مساحات تفاوضية لا تزال مفتوحة أمام رئيسة الحكومة المكلفة.

هنا ينتقل السؤال من من يملك المقاعد؟ إلى من تريد المنصوري أن يكون داخل الحكومة؟

فإدخال حزب أو أكثر إلى الأغلبية لا يعني مجرد إضافة مقاعد إلى رصيدها البرلماني، وإنما يعني توسيع دائرة الأطراف المشاركة في القرار الحكومي، وما يرافق ذلك من تفاوض حول البرنامج والأولويات والمواقع والمسؤوليات.

وفي المقابل، فإن الاكتفاء بعدد محدود من المكونات قد يجعل المسؤولية السياسية أكثر وضوحا، لكنه يضع أمام الأغلبية حاجة أكبر إلى الحفاظ على انسجامها واستقرارها داخل البرلمان.

وهنا تحديدا ستختبر الجولة الثانية قدرة المنصوري على الموازنة بين أي أغلبية تريد.

3 مسارات على طاولة المنصوري

في ضوء المعطيات المتوفرة، تبدو أمام المشاورات ثلاثة مسارات عامة.

الأول، أغلبية تجمع الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال، وهي صيغة توفر قاعدة برلمانية مريحة، وتبقي الحكومة محصورة في عدد محدود من المكونات.

الثاني، أغلبية موسعة تنفتح على حزب أو أكثر من الأحزاب التي لم تحسم موقعها بعد، وهو ما يمنح الحكومة قاعدة سياسية وبرلمانية أوسع، مقابل تعدد أكبر في مكونات الأغلبية وما يرافقه من حاجة إلى تنسيق سياسي وبرنامجي أكبر.

أما الثالث، فيقوم على أغلبية أكثر تركيزا مقابل معارضة أوسع، بما يسمح بوضوح أكبر في تحديد المسؤوليات السياسية بين الحكومة والمعارضة، ويترك للأحزاب الموجودة خارج الحكومة مساحة أوسع للتمايز.

ولا تبدو أي من هذه الصيغ محسومة حتى الآن، لأن المفاوضات لم تدخل بعد مرحلة الاتفاق النهائي على طبيعة المشاركة وشروطها، فيما تظل مواقف عدد من الأحزاب مفتوحة على ما ستفرزه الجولة الثانية.

ووسط هذه الحسابات، تبرز قراءة رئيس مركز شمال أفريقيا للدراسات والأبحاث رشيد لزرق، الذي يرى أن أهمية الجولة الثانية تتجاوز تشكيل الأغلبية إلى تحديد موقع الأحزاب خلال الولاية السياسية المقبلة.

فالحزب الذي يشارك في الحكومة، يوضح لزرق في تصريح لـ “le12″، “سيتحمل لاحقا جانبا من مسؤولية حصيلتها أمام الناخبين، بينما ستملك الأحزاب الموجودة في المعارضة هامشا أكبر لبناء خطاب مستقل عنها. وبذلك، فإن القرار الذي تتخذه الأحزاب اليوم بشأن موقعها من الحكومة لن يبقى محصوراً في الولاية الحالية، وإنما ستكون له انعكاسات على صورتها السياسية خلال المرحلة المقبلة”.

ويذهب لزرق إلى أن المشاركة الحكومية تربط الحزب بالحكم وتجعله معنيا بحصيلته، بينما تمنح المعارضة الأحزاب مسافة أوسع لتقديم خطاب مستقل وانتقاد السياسات العمومية وطرح البدائل.

لذلك، يضيف المحلل السياسي “يمكن قراءة الجولة الثانية باعتبارها لحظة تأسيس مبكرة للتنافس الانتخابي المقبل. فهي ستحدد من يتحمل مسؤولية الحكم، ومن يحتفظ بحرية المعارضة، ومدى قدرة كل حزب لاحقا على تقديم نفسه للناخبين بهوية وبرنامج سياسيين متميزين”.

وبهذه القراءة، فإن ما يجري خلال هذه الجولة لا يتعلق فقط بمن سيجلس حول طاولة الحكومة، وإنما أيضا بالمواقع التي ستتخذها الأحزاب استعدادا لمرحلة سياسية ستبدأ، منذ الآن، في تشكيل ملامح التنافس الانتخابي المقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *