لكن لماذا تتفادى الأحزاب، في الحالة المغربية، الاصطفاف في المعارضة؟ ومن سيمارس المعارضة في ظل هذا التهافت “الجماعي” على دخول الحكومة؟

جمال بورفيسي/Le 12.ma

تطرح مواقف أغلب الأحزاب بالمغرب إشكالية التوازن المؤسساتي بين الأغلبية والمعارضة، في ظل هيمنة شبه مطلقة لإرادة الأحزاب في المشاركة في الحكومة، وحرصها الشديد على تفادي “السقوط” في المعارضة.

لقد  تحولت المعارضة إلى “لعنة” تحاول جميع القيادات الحزبية تفاديها..

وبعد اقتراع 23 شتنبر 2026، تكرست هذه المواقف بشكل لافت، حيث دقت جل الأحزاب باب الحكومة بغرض دخولها، باستثناء حزب العدالة والتنمية الذي قرر منذ البداية الاصطفاف في المعارضة رغم حصوله على 54 مقعد نيابي خولت له احتلال المرتبة الرابعة، وراء “البام” و” الأحرار”، و”الاستقلال”.

وإذا كان طبيعيا أن الأحزاب التي تصدرت نتائج الانتخابات، هي التي ينبغي أن تكون الأكثر تطلعا إلى المشاركة في الحكومة، وأن الحزب الدي حل أولا على مستوى  عدد المقاعد، هو المؤهل دستوريا ليقود الحكومة، فإن ما لايُفهم أن عددا من الأحزاب التي تتذيل القائمة على مستوى النتائج يحذوها كذلك طموح المشاركة في الحكومة، وتراها تتهافت من أجل تحقيق هذه الرغبة.

نحن أمام مشهد سياسي غير طبيعي. فخلال المشاورات الحكومية الجارية، تبين أن أحزاب الاتحاد الاشتراكي، و الحركة الشعبية، والتقدم والاشتراكية، والاتحاد الدستوري الذي دخل في تحالف برلماني مع الحركة الديمقراطية الاجتماعية، كلها تسعى إلى المشاركة في الأغلبية الحكومية المرتقبة، بغض النظر عن النتائج التي حصلت عليها.

فالتقدم والاشتراكية لم يحصل سوى على 19 مقعدا نيابيا، والاتحاد الاشتراكي على 26 مقعدا(المرتبة السادسة)، والحركة الشعبية على 29 مقعدا والاتحاد الدستوري على 17 مقعدا، وحليفه البرلماني(الحركة الديمقراطية الاجتماعية) على ثمانية مقاعد فقط، ورغم ذلك، فإن كل هذه الأحزاب تطرق باب المشاورات من أجل دخول الحكومة الجديدة.

لكن لماذا تتفادى الأحزاب في الحالة المغربية، الاصطفاف في المعارضة؟ ومن سيمارس المعارضة في ظل هذا التهافت   “الجماعي” على دخول الحكومة؟ولماذا  هذا الإصرار على إضعاف المعارضة المؤسساتية، إذا كانت ستقتصر على حزب أو حزبين فقط بعدد مقاعد محدودة قد لا تصل حتى إلى ثلث إجمالي مقاعد مجلس النواب أو تتعداه بقليل؟

هناك شيئ ما يُغري في المشاركة في الحكومة. فإضافة إلى توزيع كعكة الحقائب الوزارية والمناصب العليا، والوقوع دائما تحت أضواء الإعلام العمومي والخاص، فإن المشاركة في الحكومة، غالبا ما يشكل مهربا من المساءلة عن الفشل في تدبير الانتخابات. كما  أن المشاركة في الحكومة تعطي الانطباع بأن الحزب المشارك فيها  “حي”، وله حضور في المشهد السياسي. 

وهنا تصبح المشاركة الحكومية آلية ضرورية للتعطية على الفشل.

المشاركة في الحكومة تشكل طوق نجاه للعديد من القيادات الحزبية التي ترفض أن تخضع للمساءلة بسبب فشلها الانتخابي، وتريد الاستمرار في سياسة الهروب إلى الأمام عبر المشاركة في الحكومة التي تمنح لها وزنا سياسيا افتراضيا يغطي على ضعفها السياسي الحقيقي.

فعوض تحديد  المسؤوليات وترتيب آثار الهزيمة وتقديم الاستقالة التي تبقى بعيدة غن ثقافتنا، يبحث الزعيم الحزبي عن مخرج للهروب، و هذا المخرج هو ما يجسده الدخول في الحكومة.

ومن مفارقات المجال السياسي في الحالة المغربية، أنه قد تتم التضحية بحزب حل في المراتب الأولى، وإخراجه إلى المعارضة، وتعويضه بمجموعة من الأحزاب تذيلت النتائج الانتخابية.

وهكذا، عوض أن تتم عقلنة التركيبة الحكومية، يتم “تشظيها” بإشراك مجموعة من الأحزاب الضعيفة من حيث الوزن الانتخابي..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *