لم تكن العودة من سبتة المحتلة مجرد رحلة في الاتجاه المعاكس، بل كانت نهاية حلم قصير اصطدم بواقع قاسٍ.
الفنيدق- مراد بنعبد السلام le12.ma
على وجوه العائدين إلى مدينة الفنيدق ارتسمت ملامح الإرهاق، بينما كانت كلماتهم تختزل ما عاشوه خلال ساعات قليلة خلف الأسلاك الحدودية.
وسط أجواء عودة مجموعات من الشباب الذين حاولوا الهجرة بطريقة غير نظامية، انتشر مقطع فيديو يوثق لحظات وصولهم إلى التراب المغربي.
أحد العائدين، وقد بدت عليه علامات الإنهاك، قال بصوت متعب: “يومين وأنا تمة قرعة د الماء ما شربتهاش!”، في شهادة تختصر معاناة الجوع والعطش التي رافقت محاولته.
وفي مشهد امتزجت فيه الراحة بالندم، عبر شاب آخر عن فرحته بالعودة قائلاً: “هنا الفرحة.. وخا فرحنا منين مشينا وقولنا الله أكبر صليتي..”.
وأضاف: “والله حيت ها الفرحة هي هادي، أنا دابا فرحان!”، في إشارة إلى أن مجرد دخوله مدينة الفنيدق والعودة نحو مسقط رأسه كان بالنسبة إليه نهاية لمعاناة لم يتوقعها.
ولم تقتصر شهادات العائدين على الحديث عن الجوع والعطش، إذ ظهر شاب آخر في الفيديو وهو يردد كلمة واحدة باقتضاب: “العنصريين!”، في إشارة إلى ما قال إنه تعرض له من معاملة أثناء وجوده في سبتة، قبل أن يختم عباراته مردداً: “عاش الملك! عاش الملك!”.
هذه المشاهد دفعت المحلل السياسي عمر الشرقاوي إلى التعليق على الفيديو، معتبراً أن ما جرى يعكس الفارق بين الصورة التي رسمها بعض الشباب للهجرة والواقع الذي وجدوه.
جاء في تدوينة لعمر الشرقاوي : “العودة الطوعية للمغاربة الذين اقتحموا مدينة سبتة بعد معاناة شديدة مع الجوع والعطش والمعاملة الحاطة من الكرامة.. الأرض التي حسبوها جنة لم يستطيعوا الصمود فيها ليومين.”
وتأتي هذه الشهادات في سياق أحداث شهدتها المناطق الحدودية شمال المملكة خلال الساعات الأخيرة، بعدما أحبطت السلطات المغربية محاولات عبور غير نظامية نحو سبتة ومليلية شارك فيها نحو ألف مراهق وشاب قدموا من مدن مختلفة.
وعاشت مدينة الفنيدق والمناطق المحاذية لمعبر باب سبتة، إلى جانب محيط بني أنصار قرب مليلية، حالة استنفار أمني تخللتها مطاردات وتدخلات للقوات العمومية لمنع محاولات الاقتحام وتأمين المعابر الحدودية، كما سُجلت أعمال تخريب طالت بعض سيارات الأمن والممتلكات العمومية خلال المواجهات.
وفي إطار التدابير الأمنية، باشرت السلطات المغربية عمليات إرجاع الموقوفين إلى المدن التي قدموا منها، عبر تسخير وسائل نقل وتعزيز الانتشار الأمني بمدينة الفنيدق، فيما أعلنت السلطات الإسبانية، بتنسيق مع الرباط، الشروع في إعادة المهاجرين الذين تمكنوا من دخول سبتة بطريقة غير قانونية، بمن فيهم القاصرون.
وأكدت وزارة الداخلية الإسبانية أن التعاون مع المغرب في تدبير ملف الهجرة غير النظامية يظل وثيقاً، معتبرة أن شبكات الاتجار بالبشر تستغل بعض المعطيات القانونية لاستقطاب الشباب ودفعهم إلى خوض هذه المغامرات المحفوفة بالمخاطر. كما عبر وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي-مارلاسكا عن شكره للسلطات المغربية على جهودها في إحباط آلاف محاولات الهجرة خلال الأيام الأخيرة، مؤكداً استمرار التنسيق بين البلدين.
وبين حلم الوصول إلى الضفة الأخرى وواقع العودة السريعة، تبقى كلمات العائدين شاهداً على تجربة إنسانية قاسية، انتهت بالنسبة لكثيرين بقناعة مختلفة؛ فالأرض التي تخيلوها ملاذاً آمناً لم تمنحهم سوى الجوع والعطش والإحساس بالمهانة، قبل أن يعودوا إلى مدنهم وهم يرددون أن العودة نفسها كانت أكبر أسباب الفرح.
