بعد أن أفرزت انتخابات 23 شتنبر تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، وتكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة، انتقل المشهد السياسي المغربي من لحظة الاقتراع إلى مرحلة أكثر تعقيداً: هندسة أغلبية قادرة على تجاوز عتبة 198 مقعداً، مع مراعاة الحسابات السياسية وتوازنات الأحزاب ومطالبها.

إ. لكبيش / Le12.ma

لم يعد السؤال في المغرب، بعد نهاية الانتخابات التشريعية وبدء مشاورات تشكيل الحكومة، مرتبطاً بمن تصدّر النتائج، بعدما حسم حزب الأصالة والمعاصرة صدارة السباق بـ97 مقعداً، وإنما انتقل إلى سؤال أكثر حساسية: كيف ستُبنى الأغلبية الحكومية المقبلة، ومن هي الأحزاب التي ستجلس إلى جانب فاطمة الزهراء المنصوري حول طاولة الحكومة؟

الخريطة البرلمانية الجديدة تبدو مفتوحة على أكثر من احتمال، خصوصاً أن أياً من الأحزاب لم يقترب بمفرده من عتبة الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعداً.

وبحسب النتائج النهائية، جاء التجمع الوطني للأحرار ثانياً بـ66 مقعداً، والاستقلال ثالثاً بـ65، ثم العدالة والتنمية بـ54، والحركة الشعبية بـ29، والاتحاد الاشتراكي بـ26، والتقدم والاشتراكية بـ19، والاتحاد الدستوري بـ17 مقعداً، فيما توزعت المقاعد المتبقية على أحزاب أصغر.

رقمياً، تبدو المعادلة الأكثر وضوحاً هي إعادة تشكيل التحالف الثلاثي الذي قاد الحكومة السابقة، أي الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال.

فجمع المقاعد الثلاثة يمنح الأغلبية 228 مقعداً، أي بفارق 30 مقعداً عن العتبة المطلوبة، وهو ما يجعل هذه الصيغة قادرة، من الناحية الحسابية، على إنتاج أغلبية مريحة دون الحاجة إلى عدد كبير من الشركاء.

وقد أُدرج هذا السيناريو ضمن الصيغ التي نوقشت في قراءات المشهد البرلماني الجديد.

لكن الحساب السياسي لا يتوقف عند الآلة الحاسبة.

فالتجمع الوطني للأحرار، لم يحسم في الجولة الأولى من المشاورات موقعه النهائي، وإن كان رئيسه محمد شوكي قد أعلن استعداد الحزب للمشاركة، مع إحالة القرار النهائي إلى المجلس الوطني الاستثنائي للحزب. كما وضع حزب الاستقلال بدوره قرار المشاركة أمام مؤسساته التقريرية.

وفي المقابل، اختار حزب العدالة والتنمية، صاحب 54 مقعداً، وفيدرالية اليسار الديمقراطي، التي حصلت على 8 مقاعد، التموقع في المعارضة، وهو ما يقلص عملياً هامش المناورة في بعض الصيغ، ويجعل الأحزاب الأخرى أكثر أهمية في حسابات الأغلبية.

وهنا تبرز الحركة الشعبية بـ29 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ26 مقعداً، إلى جانب الاتحاد الدستوري بـ17 والحركة الديمقراطية الاجتماعية بـ8 مقاعد، كأرقام يمكن أن تغير شكل المعادلة بمجرد انضمام حزب أو أكثر إلى الأغلبية.

فعلى سبيل المثال، فإن جمع الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية يمنح 192 مقعداً، أي أقل بستة مقاعد فقط من الأغلبية المطلقة، ما يعني أن إضافة حزب صغير يمكن أن تغلق الحساب بسهولة.

أما جمع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية فيمنح 191 مقعداً، بما يستدعي بدوره إضافة شريك آخر.

وتوجد أيضاً صيغة أخرى ذات دلالة سياسية، تجمع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي، لكنها لا تتجاوز 188 مقعداً، ما يجعلها بحاجة إلى شريك إضافي من أجل بلوغ عتبة الأغلبية.

وقد طُرحت هذه الإمكانية في قراءات سياسية للمشهد باعتبارها تحمل بعداً مرتبطاً بإعادة تجميع مكونات من “الكتلة” داخل تركيبة حكومية جديدة.

وبين هذه الحسابات، تبدو المفاوضات أكبر من مجرد توزيع أرقام المقاعد. فكل حزب يدخل الحكومة سيبحث عن موقع داخل الهندسة الحكومية، وعن ضمانات مرتبطة بالبرنامج الحكومي، وبالقطاعات الوزارية التي سيتولاها، فضلاً عن طبيعة العلاقة بين مكونات الأغلبية داخل البرلمان.

وهذا ما يجعل الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار من بين الأطراف ذات الوزن التفاوضي الواضح، بحكم عدد المقاعد وإمكانية دخولهما في أكثر من تركيبة.

كما أن الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي يمكن أن يتحولا إلى أرقام حاسمة في حال اتجهت المنصوري نحو أغلبية لا تعتمد على الصيغة الثلاثية السابقة.

المشاورات التي قادتها المنصوري خلال اليومين الماضيين شملت التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، ثم الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية، فيما غاب العدالة والتنمية وتحالف اليسار عن الجولة الأولى.

ووفق تصريحات نقلتها وسائل إعلام، فإن عدة أحزاب أبقت الباب مفتوحاً أمام المشاركة، بينما لم تحسم بعض الهيئات بعد قراراتها النهائية.

وبذلك، تبدو أمام رئيسة الحكومة المكلفة عدة خرائط ممكنة: أغلبية ثلاثية واسعة، أو أغلبية أوسع تضم أحزاباً إضافية، أو تركيبة جديدة تعتمد على الأصالة والمعاصرة والاستقلال وأحزاب أخرى، مع بقاء القرار النهائي رهيناً بما ستسفر عنه المفاوضات وقرارات المجالس الوطنية للأحزاب.

وفي النهاية، فإن تشكيل الحكومة المقبلة لن يكون مجرد عملية جمع للمقاعد للوصول إلى رقم 198، بل سيكون اختباراً لقدرة الأحزاب على تحويل نتائج الانتخابات إلى توافق سياسي وبرنامج حكومي مشترك. فالمعادلة الرقمية تحدد من يملك القدرة على تشكيل الأغلبية، لكن المعادلة السياسية هي التي ستحدد شكلها، وعدد مكوناتها، وتوزيع الأدوار داخلها.

ومع اقتراب موعد افتتاح البرلمان، تتزايد أهمية حسم هذه الهندسة، ليس فقط لتشكيل الحكومة، وإنما أيضاً لترتيب رئاسة مجلس النواب ومكتبه، وتوزيع المسؤوليات داخل المؤسسة التشريعية، قبل الانتقال إلى عرض البرنامج الحكومي أمام البرلمان.

وهكذا، تدخل حكومة المنصوري مرحلة الحسابات الدقيقة: 97 مقعداً هي نقطة الانطلاق، و198 هو الرقم المطلوب لتأمين الأغلبية، وما بين الرقمين تمتد مفاوضات سياسية مفتوحة، قد تعيد رسم خريطة التحالفات المغربية للسنوات المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *