حزن كبير ذلك الذي تسلل إلى قلوب عائلة نادي الرجاء البيضاوي، برحيل محمد رحيمي الملقب ب «يوعري» والد الدولي المغربي سفيان رحيمي.
الدار البيضاء- جريدة Le12.ma
لم يكن محمد رحيمي، المعروف في الأوساط الرجاوية بلقب «يوعري»، مجرد حامل أمتعة مرّ من نادي الرجاء الرياضي، بل كان واحداً من الوجوه التي التصقت بها حكاية «الرجاء الشعب» حتى صار اسمه جزءاً من ذاكرة النادي ووجدان أجياله.
برحيله، فقدت عائلة الرجاء البيضاوي واحداً من أبنائها الذين عاشوا تفاصيل النادي من الداخل، وعرفوا لاعبيه وأجياله وأفراحه وأحزانه، وحملوا ذاكرته في تفاصيل الحياة اليومية بعيداً عن الأضواء. ولذلك لم يكن غريباً أن يصفه الرجاويون بـ «مؤرخ الرجاء» و«ذاكرة الرجاء الحية».
كان «يوعري» حاضراً في محطات كثيرة من تاريخ الخضراء، شاهداً على أجيال متعاقبة من اللاعبين والمسؤولين، وعلى سنوات التتويج والانكسار، وعلى تلك العلاقة الاستثنائية التي تربط الرجاء بجمهوره. وبالنسبة إليه، لم تكن الخضراء مجرد فريق كرة قدم، وإنما كانت جزءاً من حياته وبيته وعائلته.
بيت أخضر.. وُلدت بين جدرانه الحكايات
ارتبط اسم محمد رحيمي أيضاً ببيت الأسرة، ذلك البيت الذي أصبح بدوره جزءاً من الحكاية الرجاوية.
فقد اقتنت الأسرة المنزل بمبادرة من المرحوم عبد اللطيف السملالي، أحد أبرز وزراء الرياضة في تاريخ المغرب، قبل أن يصبح البيت فضاءً احتضن أجيالاً من أبناء الرجاء وذكرياتهم.
وكان المنزل، وفق ما روت زوجته الحاجة عتيقة، يستقبل أسماء ووجوهاً من محيط الرجاء والرياضة المغربية، حتى إن الوزير الأول المغربي الأسبق المرحوم المعطي بوعبيد كان من زواره.
هكذا تحول البيت إلى امتداد طبيعي للرجاء: لاعبون يأتون، أجيال تتعاقب، حكايات تتناقل، وأفراح الألقاب تدخل إلى المنزل كما تدخل إلى مدرجات ملعب محمد الخامس.
وفي هذا البيت تحديداً، ستكبر أسرة ستمنح الرجاء والكرة المغربية واحداً من أبنائها الذين سيحملون اسمها إلى آفاق أوسع: سفيان رحيمي.
من «يوعري» إلى سفيان رحيمي
كان محمد رحيمي أباً للاعب الدولي المغربي سفيان رحيمي، الذي شق طريقه من الرجاء إلى المنتخب الوطني، وأصبح أحد أبرز الأسماء المغربية في كرة القدم.
لكن قصة سفيان مع الرجاء لم تبدأ من الملعب فقط؛ فقد سبقتها ذاكرة الأب وعشقه للنادي، وأجواء البيت الذي عاش على إيقاع الخضراء. ومن هذه البيئة الرجاوية خرج سفيان، حاملاً معه إرثاً عاطفياً كبيراً.
ولم يكن حب «يوعري» للرجاء مجرد كلام. فقد بلغ تعلقه بالنادي درجة جعلته يطلق على ابنته البكر اسم «رجاء»، في تعبير بسيط لكنه بالغ الدلالة عن مكانة الخضراء في حياته.
كان الرجل يرى الرجاء في كل شيء تقريباً: في البيت، في أبنائه، في علاقاته، وفي تفاصيل يومه. ولذلك، حين أصبح سفيان رحيمي لاعباً للرجاء ثم للمنتخب الوطني، بدا الأمر وكأنه امتداد طبيعي لقصة بدأت قبل ذلك بسنوات طويلة.
«لحبيبة مي».. حين تحولت الذاكرة إلى شهادة
بلغت حكاية عائلة «يوعري» جمهوراً مغربياً واسعاً من خلال حلقة من برنامج «لحبيبة مي» على القناة الثانية، خصصت في دجنبر من عام 2020، لتكريم زوجته الحاجة عتيقة واستحضار مسيرة محمد رحيمي.
كشفت الحلقة وقتها جانباً إنسانياً من حياة الرجل، من خلال شهادات زوجته حول المتاعب والمصاعب التي عاشتها الأسرة، وفي المقابل الأفراح التي كانت تعم البيت عندما كان الرجاء يتوج بالألقاب.
ولم تكن الحكاية حكاية أسرة فقط، بل بدت وكأنها سيرة مصغرة للرجاء نفسه: سنوات طويلة من الحب والتعب والانتظار، ثم لحظات الانتصار التي كانت تجعل كل الصعوبات تهون.
واستطاعت الحلقة حينها أن تعيد «يوعري» إلى الواجهة باعتباره واحداً من أولئك الأشخاص الذين لا تظهر أسماؤهم عادة في عناوين الصحف، لكنهم يعيشون في قلب الأحداث ويحتفظون بتفاصيلها.
ذاكرة لا توجد في أرشيف
تكمن قيمة محمد رحيمي في أنه كان يحمل نوعاً خاصاً من الذاكرة؛ ذاكرة الأشخاص والقصص والكواليس والتفاصيل الصغيرة التي لا تحفظها سجلات النتائج ولا أرشيف المباريات.
فهو ينتمي إلى جيل من أبناء الرجاء الذين عايشوا النادي باعتباره مجتمعاً صغيراً وعائلة كبيرة، وليس مجرد مؤسسة رياضية. ولذلك فإن استحضار اسمه هو استحضار لجانب إنساني من تاريخ الرجاء، تاريخ صنعه اللاعبون والمسؤولون والجمهور، وكذلك أولئك الذين كانوا خلف الستار.
ومن هنا جاءت تسمية «مؤرخ الرجاء» باعتبارها أكثر من مجرد لقب: إنها اعتراف بقيمة الذاكرة التي كان يحملها، وبالسنوات التي قضاها قريباً من النادي وأجياله.
تكريم الأم.. وفاء للأسرة
ومن أكثر اللحظات تأثيراً في سلسلة «لحبيبة مي» كانت تلك التي كرمت الحاجة عتيقة، زوجة «يوعري»، وإهداؤها عمرة، وهي الأمنية التي كانت تنتظر تحقيقها.
كان التكريم في جوهره احتفاءً بامرأة عاشت إلى جانب رجل كرّس جزءاً كبيراً من حياته للرجاء، وتقاسمت معه متاعب الحياة وأفراحها، وفتحت بيتها لأجيال من الرجاويين.
وبذلك لم تكن الحلقةالتي شاهدها الجمهور قبل سنوات مجرد استعادة لسيرة محمد رحيمي، بل كانت أيضاً اعترافاً بالدور الذي لعبته أسرته في هذه الحكاية، وبالأخص زوجته عتيقة التي حفظت بدورها تفاصيل كثيرة من حياة «يوعري».
رحيل الرجل وبقاء الحكاية
يرحل محمد رحيمي، لكن الحكاية التي تركها وراءه لا تنتهي.
ستبقى في ذاكرة الرجاويين الذين عرفوه، وفي البيت الذي احتضن أجيالاً من أبناء الخضراء، وفي اسم ابنته «رجاء»، وفي المسار الكروي لابنه سفيان رحيمي.
وسيظل «يوعري» واحداً من أولئك الرجال الذين لم يبحثوا عن الشهرة، لكنهم أصبحوا جزءاً من تاريخ نادٍ كبير. حمل أمتعة اللاعبين، لكنه في المقابل حمل شيئاً أثمن: حكايات الرجاء وذكريات أجياله.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في وداعه إن الرجل الذي قضى حياته قريباً من الخضراء، ترك وراءه ابناً حمل قميصها، ثم حمل قميص المنتخب المغربي، بينما بقي اسم والده حاضراً في خلفية تلك الرحلة.
محمد رحيمي «يوعري».. رجل حمل أمتعة الرجاء، لكنه حمل أيضاً ذاكرة نادٍ بأكمله.
