لم تمر تصريحات عبد الإله بنكيران في حق سعد الدين العثماني مروراً عادياً داخل حزب العدالة والتنمية، بعدما انتقلت الخلافات من مستوى النقاش الداخلي إلى سجال علني أعاد إلى الواجهة ملف توقيع اتفاق استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية، وأثار في المقابل انتقادات من قيادات حزبية اعتبرت استحضار هذه الواقعة في هذا التوقيت غير منصف للعثماني.
إ. لكبيش / Le12.ma
أعاد عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، العلاقة المتوترة بينه وبين عدد من الوجوه القيادية السابقة في الحزب إلى الواجهة، بعدما وجه خلال لقاء حزبي بإقليم النواصر، الأحد 4 أكتوبر، انتقادات مباشرة إلى سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة السابق والأمين العام الأسبق للحزب.
واختار بنكيران هذه المرة خطاباً مباشراً تجاه العثماني، داعياً إياه إلى الابتعاد عن تدبير الشأن الداخلي للحزب، ومطالباً إياه بالعودة إلى المجال العلمي الذي كان يشتغل فيه سابقاً.
وقال بنكيران مخاطباً العثماني: «الزم بيتك.. قدر الله عليك ما قدر، الزم بيتك وشد تيقارك»، قبل أن يضيف: «واشتغل بالشؤون العلمية اللي كنتي كتشتغل بيها من قبل.. راك غير كتشوّش على الإخوان ديالك».
لكن الجزء الأكثر إثارة للجدل في تصريحات بنكيران كان استحضاره لتوقيع العثماني على الاتفاق الثلاثي الذي أعلن عنه في دجنبر 2020، والمرتبط باستئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية.
وقال بنكيران إن هذا التوقيع أصبح يستعمل في مواجهة الحزب وأعضائه، مضيفاً: «هاهم كيعايرونا بالتوقيع ديالك الذي لا علم لنا به، والله سبحانه وتعالى خير الشاهدين».
غير أن تصريحات بنكيران لم تلقَ ترحيباً داخل جميع الأوساط المحسوبة على الحزب، إذ سارع محمد يتيم، القيادي البارز في العدالة والتنمية، إلى التعبير عن موقف ينتقد فيه إعادة استحضار واقعة توقيع العثماني على الاتفاق.
وفي تدوينة له، اعتبر يتيم أن «استرجاع توقيع الدكتور العثماني على اتفاقية التطبيع مع الكيان الصهيوني لم يكن في محله» من طرف بنكيران، مشيراً إلى أن هذا الملف سرعان ما جرى توظيفه من طرف عبد اللطيف وهبي في سجاله السياسي.
ويتيم لم يكتفِ برفض توقيت استحضار الملف، بل قدم مجموعة من المعطيات التي اعتبر أنها ضرورية لفهم ظروف تلك المرحلة والتمييز بين مسؤولية العثماني الشخصية وبين مواقف المؤسسات الحزبية.
وأوضح أن الأمانة العامة للحزب، التي كان يرأسها العثماني آنذاك، سبق أن أصدرت بلاغاً أعلنت فيه رفضها لما وصفه بـ«الاختراق التطبيعي»، كما أن المجلس الوطني للحزب اتخذ الموقف نفسه عقب الواقعة.
كما طرح يتيم مسألة أخرى تتعلق بظروف التوقيع، مشيراً إلى أن كل متتبع منصف للحظة التوقيع يمكن أن يلاحظ، حسب قراءته، أن العثماني لم يكن على علم مسبق بكل تفاصيل الوثيقة التي طلب منه توقيعها، مستبعداً أن يكون أمين عام لحزب، سواء العدالة والتنمية أو غيره، قادراً في تلك اللحظة على رفض دعوة الديوان الملكي أو إعلان رفضه التوقيع.
وفي دفاعه عن العثماني، استند يتيم كذلك إلى الجانب الدستوري، مذكراً بأن الفصل 55 من الدستور ينص على اختصاص الملك في توقيع المعاهدات والمصادقة عليها، مع ما يترتب عن ذلك من إجراءات بالنسبة لبعض أنواع الاتفاقيات.
ومن هذا المنطلق، يرى يتيم أن توقيع رئيس الحكومة في تلك المناسبة ينبغي قراءته أيضاً ضمن السياق المؤسساتي والبروتوكولي للدولة، وليس بمعزل عن طبيعة الاختصاصات الدستورية المرتبطة بالمعاهدات والاتفاقيات والعلاقات الخارجية.
كما شدد القيادي في العدالة والتنمية على أن السياسة الخارجية والعلاقات الدولية تندرج ضمن القضايا السيادية، معتبراً أن إعادة فتح ملف التوقيع بعد مرور سنوات لا تخدم، في تقديره، النقاش الداخلي للحزب، واصفاً ذلك بأنه «عودة بعقارب الساعة إلى الوراء».
والأكثر دلالة في موقف يتيم أنه لم يكتفِ بالحديث عن البلاغات الصادرة عن الأمانة العامة والمجلس الوطني، بل ذكّر أيضاً بأن العثماني سبق أن عبّر في لقاء إعلامي مع قناة «الجزيرة» عن موقف واضح من التطبيع.
وهكذا، تحولت تصريحات بنكيران من مجرد انتقاد شخصي للعُثماني إلى نقاش أوسع داخل الحزب حول حدود المسؤولية السياسية عن قرارات مرحلة سابقة، وحول الطريقة التي ينبغي بها قراءة تلك المرحلة بعد مرور سنوات.
فالمنتقدون لاستحضار توقيع العثماني يرون أن اختزال تلك المرحلة في توقيعه وحده يتجاهل السياق المؤسساتي والسياسي الذي أحاط بالاتفاق، كما يتجاهل المواقف التي صدرت لاحقاً عن مؤسسات الحزب نفسها، وفق المعطيات التي قدمها محمد يتيم.
في المقابل، فإن بنكيران، من خلال حديثه العلني، يبدو أنه أراد التأكيد على أن استمرار العثماني في الحضور داخل النقاش الحزبي أو اتخاذ مواقف يعتبرها مؤثرة على التنظيم، أمر غير مقبول بالنسبة إليه، خصوصاً في مرحلة جديدة يسعى فيها الحزب إلى ترتيب صفوفه وتحديد موقعه السياسي.
واللافت أن الخلاف لم يعد محصوراً بين شخصين فقط، بل بدأ يطرح أسئلة أوسع داخل العدالة والتنمية: هل ينبغي طي ملفات المرحلة السابقة أم إعادة تقييمها؟ وأين تنتهي مسؤولية القيادات السابقة وتبدأ مسؤولية المؤسسات؟ وهل يمكن فصل القرارات التي اتخذت أثناء ممارسة السلطة عن النقاش الداخلي للحزب بعد مغادرة الحكومة؟
وفي الوقت الذي اختار فيه بنكيران توجيه رسالته إلى العثماني بشكل علني وحاد، جاء رد محمد يتيم ليقدم قراءة مختلفة، تقوم على ضرورة استحضار السياق الدستوري والسياسي والمؤسساتي للواقعة، وعدم تحميل العثماني وحده مسؤولية قرار ارتبط، وفق هذا الطرح، باختصاصات سيادية ومؤسسات الدولة.
وبذلك، يبدو أن تصريحات النواصر لم تغلق ملف العثماني داخل العدالة والتنمية، بل أعادت فتحه على نقاش أوسع حول إرث مرحلة سياسية كاملة، وحول حدود النقد الداخلي، وطبيعة العلاقة بين القيادة الحالية والقيادات التي سبق أن تحملت مسؤولية الحزب والحكومة.
ويبقى اللافت أن الخلاف هذه المرة خرج من دوائر النقاش الداخلي إلى العلن، بما يجعل تصريحات بنكيران والردود التي رافقتها مؤشراً جديداً على استمرار الجدل داخل الحزب بشأن كيفية التعامل مع ماضيه القريب، خصوصاً الملفات التي لا تزال تلقي بظلالها على صورته ومواقفه السياسية.
