ريان ليس مجرد اسم جديد في سجل المـ.آسي، وغابة المنصورية ليست مجرد واقعة عابرة؛ فخلف هذه الأحداث تتشكل صورة مقلقة لنـ.زيف شبابي تتداخل فيه المخـ.درات والعـ.نف والاستغلال، وتُدفـ.ن معه أحلام كان يفترض أن ترى النور.

عادل الشاوي/ Le12.ma

في عمر يفترض أن تكون فيه الأحلام أكبر من الخيبات، يجد شباب أنفسهم تائهين بين عنف عالم مظلم لمحسوبين على “الإلتراس” واستدراجات شبكات الاتجار في المخدرات، في مسارات تنتهي بهم في سن مبكرة بين المستشفيات والسجون والمقابر.

ثمة، منذ فترة، خسارة صامتة تتراكم أمام أعيننا، لا تكشفها أرقام البطالة أو نسب الهدر المدرسي وحدها، ولا تختزلها حصيلة التوقيفات أو أخبار الجرائم.

إنها خسارة شباب كان يفترض أن يكونوا في بداية الطريق، فإذا بهم يغادرون مقاعد الدراسة، أو يهدرون سنوات من أعمارهم خلف القضبان، أو يسقطون في براثن الإدمان والعنف، فيما لا يغادر بعضهم هذه الدوامة إلا محمولا إلى مثواه الأخير.

والأقسى في هذه الحكاية أن كثيرا من هؤلاء الشباب لا ينتبهون إلى حجم ما يفقدونه إلا حين يصبح استدراكه مستحيلا. سنوات من الدراسة تتبدد، وأعوام من العمر تستهلك خلف القضبان، وأجساد وعقول تنهكها المخدرات، وأحلام يطويها الموت قبل أن تجد طريقها إلى الحياة.

هكذا تتساقط، في عمر مبكر، احتمالات كان يمكن أن تصنع مستقبلا مختلفا لأصحابها، وأن تمنح أسرهم ومجتمعهم أسبابا أكثر للأمل.

وتختصر مأساة ريان، الذي فقد حياته في واقعة رياض الألفة اليوم الأحد، جانبا مفجعا من هذا النزيف.

وراء الحادث شاب في مقتبل العمر لن يعود إلى بيته، وأم فقدت ابنها في ظروف موجعة، وأسرة وجدت نفسها في مواجهة فراغ لا تملؤه الكلمات.

وتستحضر هذه الفاجعة، بما تحمله من ألم وأسئلة، ما أثارته وقائع غابة الـ33 بالمنصورية، حيث عثر على جثتي شابين، في ظروف تشير، وفق إفادات أصدقاء الضحيتين، إلى تصفيتهما بالرصاص على يد تجار مخدرات.

ولا تكمن أهمية استحضار هذه المآسي في استعادة تفاصيلها أو وضعها في خانة واحدة، رغم اختلاف ملابساتها، بقدر ما تكمن في الأسئلة التي تفرضها مجتمعة. كيف يجد شباب في مقتبل العمر أنفسهم على هذا القدر من القرب من العنف والمخدرات؟

ومن يفتح أمامهم أبواب هذه العوالم، ومن يستفيد من وجودهم فيها، بينما يتحملون هم وأسرهم الثمن الأثقل؟ إنها أسئلة تتجاوز حدود الوقائع نفسها، لتقودنا إلى بيئات الاستقطاب والاستغلال، وإلى مسؤولية مجتمع ومؤسسات لا ينبغي أن يقتصر حضورها على التدخل بعد وقوع الكارثة.

ذلك أن ما يضيع في هذه الدوامة لا يقتصر على مستقبل الشباب وأحلام أسرهم. فحين يتسرب العنف من دوائره المغلقة إلى الشوارع والأحياء والفضاءات العامة، يصبح المواطن العادي بدوره في مواجهة كلفة لم يخترها.

يتوجس من محيطه، ويحسب خطواته، ويفقد شيئا من الطمأنينة التي يفترض أن تكون حقا يوميا لا امتيازا نادرا.

ومع توالي الاعتداءات وتنامي مظاهر العنف المرتبطة بالمخدرات، لا يتراجع الإحساس بالأمن فحسب، بل تتصدع الثقة في قدرة المجتمع على حماية فضاءاته المشتركة وصون شروط العيش الآمن فيها.

عندها تتحول خسارة الشباب إلى خسارة جماعية، يدفع ثمنها حتى أولئك الذين لم تطأ أقدامهم تلك العوالم.

وفي تفكيك هذه الظاهرة، تبرز ضرورة التمييز بين ثقافة “الإلتراس” وممارسات بعض المحسوبين عليها.

فليس من الإنصاف اختزال مجموعات المشجعين في سلوكيات عنيفة تصدر عن أفراد، مثلما لا يجوز اتخاذ هذا التمييز ذريعة للتغاضي عن تجاوزات قد ترقى إلى أفعال إجرامية يرتكبها بعض المنتسبين إلى هذه الفصائل.

فالمسؤولية ينبغي أن تحدد على أساس الأفعال والوقائع، لا أن تعمم على فضاءات كاملة، ولا أن تتحول طبيعة الانتماء إلى مبرر لممارسات إجرامية.

على أن هذا الجانب ليس سوى أحد المداخل التي ينبغي النظر من خلالها إلى مشهد أكثر تعقيدا، تتداخل فيه أيضا شبكات الاتجار في المخدرات التي تتقن استدراج الشباب واستغلال هشاشتهم، قبل تحويل بعضهم إلى أدوات استهلاكية نهمة لبضاعتهم أو التخلص منهم وتصفيتهم بدم بارد.

لهذا، لم يعد مقبولا أن نظل أسرى ردود الفعل، نستفيق على فاجعة، وننصرف إلى أخرى، فيما تستمر الأسباب ذاتها في إنتاج المآسي نفسها.

المطلوب مواجهة تبدأ من منابع الاستقطاب، ولا تتوقف عند تفكيك شبكات الاتجار والاستغلال، بل تمتد إلى مساءلة مؤسسات الوقاية والتأطير والعلاج عن قدرتها على الوصول إلى الشباب قبل أن يفقدوا صلتهم بالدراسة والعمل والأسرة، وقبل أن يصبحوا ضحايا أو متورطين في الجريمة.

فالأمن لا تصنعه التدخلات التي تأتي بعد وقوع المأساة وحدها، بل تصنعه أيضا قدرة المجتمع على منع أسبابها، وانتشال من هم على حافتها قبل أن يسقطوا فيها.

وإلا فإننا نغامر بأن نجد أنفسنا أمام غابة كبيرة، لا تحكمها قواعد العيش المشترك، بل منطق القوة، حيث يصبح البقاء للأقدر على الإيذاء، ويغدو الأمان استثناء بدل أن يكون حقا للجميع.

ويبقى السؤال الذي تفرضه هذه المآسي بإلحاح، كيف وصلنا إلى خسارة جزءا من شبابنا؟ وكيف أصبح الطريق الذي كان يفترض أن يقودهم إلى المستقبل أقصر نحو المستشفى أو السجن أو المقبرة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *