كريم شوكري

لا يسع المرء إلا أن يستغرب دفق المشاهدات المقدرة بالآلاف، إن لم نقل الملايين، التي يحظى بها محتوى بعض أشرطة الفيديو المنتِجة للرداءة والإسفاف على مستوى منتديات التواصل الاجتماعي..

أشرطة “واطئة” جعلت منسوب البلادة والغباء يرتفع لدى لفيف بشري افتراضي متيم بتوافه الأمور إلى درجة الزج ببعض المخلوقات الوضيعة فوق منصات “الشهرة” بفضل نسب مشاهدات تعكس بياناتها الاستدلالية ومؤشراتها القياسية انزلاقات سوسيو-ثقافية مريعة ومخيبة لتطلعات الترقي الحضاري.

فمن شأن هذا النمط الافتراضي المتهافت، الذي لا يخلو من دلالات سوسيولوجية، نسف كل حديث عن فرملة موجات التسطيح الفكري والتعليب الذهني، ثم التدجين السيكولوجي، الناجمة عن فظاعة التحولات القيمية وهيمنة “القامات” المؤسساتية العالمية التي تحتكر شفرات تكنولوجيا الاتصال، مع ما يتيحه لها هذا التنين الرقمي من براعة في تخصيب “جينوم” القطيع البشري..

وبهذا الصدد، يؤكد الطرح العلمي للباحث الأنثروبولوجي الفرنسي غوستاف لوبون، في معرض مقاربته الغائرة الواردة ضمن مؤلفه المرجعي حول “سيكولوجية الحشد”، أن التكرار والتداول الواسع لخطاب معين يجعل العديد من المعطيات -مهما بلغت من تفاهة- تتحول إلى حقائق راسخة وأقانيم مقدسة لدى القطيع البشري الذي تأسره أقفاص الدعاية المنمقة والمساحيق البلاغية الرائدة في صناعة آليات الترويض الجماهيري.

لقد أصبح فيسبوك يبدو كما لو أنه يكتسي صبغة “المراعي الرقمية” يمتلك فيها “خبراء سيكولوجية الحشود”، وكذا الرعاة المالكون لآليات التهييج الدعائي، شفرات التحكم في وجهات “القطيع الفيسبوكي”، مع التحفظ بشأن أي تعميم تعسفي قد يطال حكماء وعقلاء القارة الزرقاء..

لنستحضر ولو قسطا محتشما من الأسس المنهجية والمعرفية للدرس البنيوي، كما التاريخاني، كي نستشفّ حجم الاستعصاء المرافق لطقوس التمثل البشري للواقع والمحيط..
هل نحن في حاجة إلى حملة فيسبوكية للتحسيس بمخاطر موجة التبسيط والاختزال باعتبارها تنطوي على قدر من التمييع المخزي لمسار الوعي الجماهيري؟!

فلا غرو أن يتحرك نزر من الخبراء والمتخصصين في مجال “السوشيال ميديا” للتحذير من مغناطيس هذا الأخير، عبر فضح ومساءلة إيديولوجيا التحكم الحقيقي الممتدة عبر كل زوايا هذا الكون الفسيح، الذي أخذ يضيق شيئا فشيئا من فرط تسخير أعتى التكنولوجيات الرقمية لفائدة تطوير منتديات التواصل الاجتماعي بخلفية تصميم بيئة للرأي طبقا لما يسمى في أدبيات علم الاتصال نظرية “لولب الصمت”، بيئة رأي متناغمة مع مقاسات التنين الاقتصادي العالمي وأذرعه الإيديولوجية المدمرة للشعوب المستضعَفة، التي تنضبط في العديد من مظاهرها وبنياتها السوسيو-ثقافية لبراديغم “القطيع البشري”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.