Le12.ma

في الوقت الذي يحيي العالم اليوم العالمي للمدرّس (5 أكتوبر) وبعيدا عن الجدل الفارغ الذي أثير مؤخرا حول إدراج “بْريوة وبغريرْ” في مقرراتنا الدراسية، تتواصل محنة المدرّسين مع “قانون” نزل عليهم من حيث لا يدرون، ووجدوا أنفسهم مرغَمين على توقيع عقد محدود الأجَل ليعلّموا أبناء الغد أولَ معاني الكرامة والإباء والحريّة..

وضعية غير مشجّعة على العطاء

ماذا سيعلم أبناءَ الغد مدرّسٌ يعرف، منذ أول يوم له في الفصل، أنه مُجرّد شخص عابر في المكان والزمان وبين رجال الغد الذين سيعلمهم؟ كيف سينكبّ على التحضير والتهييء والإعداد معلّم كاد، في سابق الأزمنة، يكون رسولا وهو ينظر إلى نفسه وقد صار، بين ارتجالية حكومة متخبطة ومرتبكة، شخصا بلا كرامة؟..

والحقيقة أنه يصعب تصديق هذا الوضع السريالي، الذي إن قبلته الحكومة لهذه الفئة من المغاربة فإنّ المغاربة، باختلاف انتماءاتهم ومستوياتهم التعليمية، يرفضون أن تكون وضعية مربّي الأجيال بهذه “الحالة”؛ فأن يُجبَر هؤلاء الشباب على العمل في التعليم بالتعاقد هو “جريمة بشعة في حق هذا الشعب”، وفق ما قال أحدهم في استطلاع رأي طُرح في موقع للتواصل الاجتماعي حول الموضوع.

الرفض ثم الرفض

كان الرفض هو جواب هؤلاء الشباب الذين وإن أُرغموا، أمام انسداد الأفق وانعدام فرص الشغل، على توقيع هذه العقود المجحفة. وقد خرج الآلاف منهم في مظاهرات اجتاحت مختلف المدن، رافعين شعاراتهم التي تُدين سعي الحكومة إلى القضاء على التعليم من خلال سن هذا التعاقد الجائر في حق مَن نريدهم أن يعلموا أبناءنا ويخرجوهم من ظلمات الجهل.

عقود إذعان وإذلال

يشتغل الأساتذة المتعاقدون بموجب “عقد إذعان” أجبروا على توقيعه تحت طائلة البطالة والفقر اللذين يعاني منهما معظم الشباب المغاربة في عهد حكومة أفقرت وأقفرت كل المجالات والميادين، بفعل سياساتها “الترقيعية”، التي لا تنفكّ تزيد الأوضاع استفحالا.

فلا يُعقَل أن يواصل هؤلاء الأساتذة العمل وهم تحت مطرقة الخوف من فسخ عقودهم وسندان “مزاجية” عدد من المديرين، الذين يعتبرون المؤسسات التعليمية التي يديرونها “ضيعات” خاصة ويتعاملون مع الأطر التعليمية والإدارية والتربوية كأنهم يعملون لحسابهم؛ فما بالك بهم وهم أمام أساتذة يعرفون أن عقودهم مؤقتة وربما يتوقف أمر تمديدها على تقييم “مزاجي”.

تعدّدت أشكال الاحتجاج والحكومة صمّاء

قبل خروجهم إلى الشارع في مظاهرات حاشدة هزّت فيها حناجرهم أرجاء عدة مدن، مستنكرة هذا الوضع غير الطبيعي ومطالبة بالترسيم في الوظيفة العمومية، خاض أساتذة التعاقد أشكالا نضالية مختلفة، بدءا من مقاطعة اللتكوينات، إلى حمل الشارة الحمراء وغيرها من طرق الاحتجاج، لكنْ لا حياة لمَن تُنادي، فقد تعاملت معهم الحكومة، من خلال الوزارة الوصية على القطاع، بمنهج الآذان الصمّاء تجاه أي مطلب، ورفضت التحاور معهم.

في هذه الظروف الماسة بالكرامة الإنسانية، في أدنى شروطها، يواصل أساتذة التعاقد تأدية واجبهم في تعليم أبناء المغاربة بصبر وأناة وتطلّع إلى تغيّر الأوضاع في المستقبل، وإن كان الأمل في ذلك ضعيفا، في ظلّ حكومة تخبط خبط عشواء في قطاعات حيوية ومجالات حسّاسة تمسّ فئات واسعة من المجتمع، والتي توليها حكومات دول العالم كل ما تستحق من عناية واهتمام وتضع تحت تصرّف من يزاولونها كل إمكانياتها ووسائلها، لأنها تدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتق من يزاولون مهنة التدريس مثلا، إلا حكومة هذا البلد السعيد، التي تواجه مشاكل القطاعات الحيوية في البلاد بسياسة الهروب إلى الأمام. فهل يكون التعاقد تلك القشّة التي تقصم ظهر تعليمنا العمومي وآخر مسمار يُدَق في نعشه؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.