إعداد: عبد الرزاق بوتمزار

“أنا كوالدكم، لا يمكنني أن أغشّكم، ولهذا أقول لكم: من لا يقرأ لا يمكنه أن يكتب لقرّائه كتابة جيدة ولو ظل طوال حياته يكتب!”… هكذا خاطب الأديب الراحل عبد الكريم غلاب بعض الصحافيين الشباب، في إحدى آخر نصائحه للأجيال القادمة من الكتّاب.

برحيله عنا، فقد المغرب اسما كبيرا في عالمَي الأدب السياسة وواحدا من أشرس المدافعين عن قضاياه الكبرى منذ فجر الحركة الوطنية. فقد خلّف الرّاحل عبد الكريم غلاب (14 غشت 2017) العديد من الأعمال التي أغنت المكتبة العربية، ما بين مقالات صحافية ومقالات رأي وروايات ودراسات في الإسلام واللسانيات والفكر.

رأى غلاب النور في العاصمة العلمية للمملكة، فاس في 1919 وفي مدارسها الحرة تلقى تعليمه الأولي، ثم في كلية القرويين ابتداء من سنة 1932. وفي 1937 سافر إلى مصر، قبل أن يلتحق، ثلاثَ سنوات بعد ذلك، بقسم اللغة العربية في كلية الآداب -جامعة القاهرة، التي تخرّج منها سنة 1944.

تدرّج في عدة مواقع خلال مساره الحافل والممتدّ على مدى أزيد من نصف قرن، فكان عضوا مؤسسا لجمعية الطلبة العرب في كلية الآداب (1942) التي كانت تضم مجموعة من الطلبة من كل من سوريا والعراق ومصر وفلسطين والسودان والمغرب وكانت تعمل على بعث الوعي القوميّ العربي. كما كان عضوا في جمعية “الأمناء” الثقافية، التي أصدرت مجلة بالاسم ذاته. وفي القاهرة بدأ الراحل غلاب نشاطه السياسي للتوعية بقضية المغرب واستقلاله في بداية أربعينيات القرن الماضي، إذ شارك مع زملائه المغاربة في تأسيس “رابطة الدفاع عن مراكش” سنة 1943. وقدمت الرابطة مذكرة إلى سفارات الحلفاء والحكومة المصرية تطالب فيها باستقلال المغرب في يناير 1944، بتزامن مع الوثيقة التي قدمها حزب الاستقلال في المغرب دون اتفاق مسبق.

بعد تخرّجه، عمل غلاب أستاذا في المدارس الثانوية المصرية بعد تخرجه من كلية الآداب، واختاره زملاؤه المغاربيون أمينا عامّا لمؤتمر المغرب العربي، الذي عُقد في 1947 ومنه انبثق “مكتب المغرب العربي”، الذي قاد الكفاح في سبيل استقلال المغرب والجزائر وتونس، والذي عمل على تحرير عبد الكريم الخطابي يوم فاتح يونيو 1947 وهو في طريقه من منفاه في جزيرة “لارينيون” إلى فرنسا، أثناء رسُو الباخرة التي كانت تقله في ميناء بور سعيد.

بعد محطة مصر، عاد عبد الكريم غلاب إلى المغرب (1948) وترأس تحرير مجلة “رسالة المغرب” الثقافية الأسبوعية، ثم الشهرية ابتداء من 1949 حتى توقيفها بقرار من الإقامة العامة الفرنسية (1952) وعمل في الوقت نفسه محررا في جريدة ” العلم” اليومية حتى توقيفها في التاريخ ذاته. وساهم في إعادة صدورها تحديا لقرار الإقامة الفرنسية (1955).
موازاة مع ذلك، كان غلاب أحد الأعضاء البارزين في حزب الاستقلال، وقد انخرط فيه منذ إنشاء “كتلة العمل الوطني” (يونيو 1933). وكان من الأطر الأولى المؤسسة لوزارة الخارجية المغربية بعد استقلال المغرب تحت رئاسة الحاج أحمد بلافريج. وبعد استقالته من منصبه كوزير مفوض -مدير للإدارة العربية والشرق الأوسطفي عاد، في يناير 1959، للعمل في جريدة “العلم” رئيسا لتحريرها وأصبح سنة -بعد ذلك- مديرا لها حتى يوليوز 2004، مع تخليه (من 1981 إلى 1985) عن عمله في “العلم” ليصير وزيرا في الحكومة المغربية. كما انتخب عضوا في البرلمان (مجلس النواب) خلال ولايتين، 1977 -1984 و1993 -1997.

في مجال التأليف، بدأ غلاب ينشر محاولاته منذ 1936، فنشر أول مقال له في مجلة “الرسالة” القاهرية. وخلّف أكثر من 75 كتابا ما بين الرواية والقصة والأدب والسياسة والفقه الدستوري وتاريخ المغرب، ما مكنه من الفوز بجائزة المغرب للكتاب في الآداب ثلاث مرات.

اختارت منظمة الثقافة العربية روايته “المعلم علي” من بين أفضل 105 روايات عربية نُشرت عبر التاريخ، وتقرّر تدريسها في مختلف المدارس الثانوية في البلاد العربية. كما تُرجمت أعمال روائية له إلى الفرنسية والإسبانية والإيطالية والإنجليزية وغيرها. وكُتبت عن مجمل أعماله الأدبية والروائية أكثر من 50 أطروحة جامعية للدراسات العليا والدكتوراه في مختلف الجامعات المغربية. ومن أشهر مؤلفاته “دفنا الماضي” (1968) “المعلم علي” (1974) “شروخ في المرايا” (1994) وغيرها كثير فاز بفضلها بمجموعة من الجوائز، أشهرها جائزة المغرب للكتاب، عن رواية “دفنا الماضي”، جائزة المغرب للكتاب عن رواية “المعلم علي”، جائزة المغرب للكتاب عن رواية “شروخ في المرايا”، والجائزة التكريمية لأكاديمية المملكة المغربية.

كتب الرّاحل عبد الكريم غلاب في شروخ المرايا:

عاش آدم وعشنا معه بعد ملايين السنين نحسب الزمن: ساعة، يوم، شهر، سنة… وتنتهي الستون أو السبعون، ثم نسلم حبات المسبحة إلى غيرها، للآخرين يتعلمون الحساب في أعمارهم.

الزمن يموت كل ساعة، كل يوم دون أن نودعه بدمعة أسى. ربما لأنه لا يستحق، لأنه مسؤول عن…. ضياع الملايين. أنا من بين الملايين… تعاقبت المرايا على الصفحة الرقراقة في مجرى النهر العجوز المتكاسل. تجلّت آخر المرايا ناصعة، باهرة تعاظمت… اقتربت من عيني، كما لو كانت مياه النهر ترتفع عن مجراها، كما لو كانت عيناي تنحدران إليها. تجلى فيها وجه لا أعرفه، لم يكن لي صديقا ولا رفيق طريق، خصما ولا عدوا. كان أشعب أغبر، شاحبا، بادي العياء والتعب والملل والاشمئزاز والإحباط…

تسلحتُ بكل شجاعتي. جمعت كل ما عاش في ضميري من ماض، من حاض، من مستقبل… تلاشت المرآة الصافية، وأنا ألقي به بين أمواج الوحل، ومياه النهر تجرفه بتوأدة نحو البحر…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.