تُمثّل الزاوية الأمغارية في تمصلوحت (على بعد 20 كيلومترا عن مدينة مراكش وتقع في النطاق الترابي لإقليم الحوز) واحدة من أكبر أقطاب التصوف المغربي، بالنظر إلى إسهامها الكبير في نشر التصوف الإسلامي، باعتباره منبع تطهير الروح، وتكريس قيم السلام والتسامح.

تقديم -عبد الرزاق المراكشي  le12

المغرب بلد الأولياء الصّالحين”.. مقولة تعكس المكانة الخاصّة التي يحظى بها التصوّف في المملكة المغربية، التي يمتدّ فيها الفكر والسلوك الصّوفيان إلى أزمنة بعيدة..

لو كنت مواطنا مغربيا، لربّما ساقتك الأقدار لأن تُجاوِر أحدَ هذه المباني الصّغيرة المسمّاة “الزّاوية”. فيها تقام الصّلوات الخمس في أوقاتها، باستثناء صلاة الجمعة. كما يُتلى في هذه “الرّباطات” القرآن وتقام العديد من العبادات التعبّدية الأخرى.

بمناسبة شهر رمضان المبارك، تقترح عليكم “Le12.ma” رحلة تاريخية في رحاب أشهر الزوايا والطرق الصّوفية في المغرب.

تُمثّل الزاوية الأمغارية في تمصلوحت (على بعد 20 كيلومترا عن مدينة مراكش وتقع في النطاق الترابي لإقليم الحوز) واحدة من أكبر أقطاب التصوف المغربي، بالنظر إلى إسهامها الكبير في نشر التصوف الإسلامي، باعتباره منبع تطهير الروح، وتكريس قيم السلام والتسامح.

وقد أسهمت هذه الزاوية الدينية، التي تأسّست في القرن الحادي عشر، على يد الولي الزاهد الفقيه مولاي عبد الله أمغار، دفين رباط تيط، الجماعة القروية الحالية مولاي عبد الله أمغار (إقليم الجديدة) بقوة في تشكيل التصوف المغربي، من خلال تكوين مريدين متصوفة في علوم الدين، والذين انتشروا في جميع أنحاء المغرب، من خلال إحداث “الطريقة” الخاصة بهم.

وقد ارتقت الزاوية، منذ تأسيسها، كقبلة مرجعية بامتياز للفقهاء والعلماء، الذين حجّوا بأعداد كبيرة للتبحر في المعارف الدينية، ما مكن، لاحقا، من توسيع نفوذها وتأثيرها خارج منطقة تمصلوحت، ليبلغ صداها مراكش وجبال الأطلس الكبير، قبل أن تصل إلى عدة مناطق في المملكة، وحتى إلى خارج الحدود الوطنية.

وقد مثلت هذه الزاوية على مدى تاريخها الطويل والرائع مكانا رفيعا لـ”الوساطة”، إذ كانت القبائل تفد عليها لحل نزاعاتها وخلافاتها. إضافة إلى ذلك، ووفاء لهذا المنطق، اتخذت القرية اسم “تمصلوحت” (من المصالحة) في إشارة إلى أحد الأدوار الرئيسية التي لعبتها هذه الزاوية.

وقد انبنت قرية تمصلوحت، التي كانت في الماضي منطقة مهجورة وغير مأهولة، حول هذه الزاوية وتحولت لاحقا إلى واحة خضراء تعج بالسكان.

وتتميز هذه الزاوية، التي تقف شاهدة على التاريخ العريق للتصوف المغربي، بـ”جاذبيته” و”إشعاعه”، على حد سواء، بكونها تثير إعجاب أي زائر، من خلال روعة هندستها المعمارية وأصالتها، المستلهمة من التراث المعماري والحضاري الذي يتميز به المغرب.

وتأوي هذه الزاوية، الممتدة على ما يناهز الهكتار، أحفاد الولي الصالح مولاي عبد الله أمغار، وهي موقع للعبادة منقطعة النظير، ذات جمال فائق، مستمدّة من زخرفة تقليدية ومتناغمة تم إنجازها بعناية، بالاعتماد على عناصر قديمة للعمارة الإسلامية والموريسكية، والصناعة التقليدية المغربية، إضافة إلى فنون الحضارة العربية الإسلامية.

فخلال القرن العاشر الهجري انبرى العالم الصوفي عبد الله بن حسين الأمغاري، من بيت آل أمغار لنشر العلم والصلاح في ناحية مراكش، لتأسيس هذه الزاوية، بتشجيع من شيخه وأستاذه الكبير عبد الله الغزواني (مول لقصور) تلميذ عبد العزيز التباع، تلميذ الإمام الجزولي.

ومنذ ذلك العهد ظلت تمصلوحت نموذجا للمدن المغربية العتيقة، التي كانت يوما ما مزدهرة عمرانيا واقتصاديا وثقافيا، بمساكنها القديمة ذات الهندسة الرائعة بالرغم من بساطتها، وأزقتها الضيقة التي تصل جميع أحياء المدينة كشبكة عنكبوتية، ومحلاتها التجارية (السويقة) التي طواها النسيان ومساجدها الشامخة التي تخرج منها عدد من العلماء والفقهاء والقراء.

وتتميز المنطقة بغناها الفلاحي وبمآثرها التاريخية ومشاريعها السياحية. كما تشتهر بصناعتها التقليدية، خصوصا الخزف والدرازة والحياكة الأصيلة، بالإضافة إلى الزربية المصلوحية.

وتأسست الزاوية المصلوحية بداية سنة 1529 م الموافق لـ930 هـ، بعد تعيين عبد الله بن احساين بإمارة من شيخه عبد الله الغزواني ومنحه حكم (كرامات) للحكم الرمزي، كطرد الطائر المؤذي، وكرامة حكم المرأة العاقر، يقول حسن المانوزي أستاذ التعليم العالي بجامعة القاضي عياض، مضيفا أنه بعد أربعين سنة من مشيخة عبد الله بن حساين استطاع إصلاح 100 هكتار مسقية، وتنازلت القبائل عن الأراضي خدمة للزاوية، في خطوة سبقت العمران الأول لهذه المؤسسة الروحية ومكان إيواء مريديها وطلبتها والخماسين والمشتغلين في الأراضي الزراعية التابعة لها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *