مراكش Le12.ma

لن تكتمل زيارتك لمدينة عتيقة مثل مراكش ما لم تركب عربة “الكوتشي” في جولة بين شوارعها ودروبها. فما زالت هذه العربة “الإيكولوجية”، المجرورة بِخَيليْن، رغم شراسة المنافَسة من وسائل النقل الحديثة، صلةَ وصل بين زائر مراكش وأهمّ المآثر التاريخية ونقط الجذب السياحي في العاصمة السياحية للمملكة.

إضافةً إلى المنافَسة غير المتكافئة مع سيارات الأجرة، ثم مع الحافلات السياحية المكشوفة في وقت لاحق، تواجه مهنة العربات المجرورة بخيول في وقتنا الرّاهن مجموعة من التحدّيات وتعترض طريق استمرارها عراقيل ومشاكل عديدة تحُدّ من تطوّر المهنة وتحسّن أحوال المهنيّين.

وإذا كان يُحسَب لمسؤولي مرّاكش أنهم جعلوا مراكش واحدة من مدن العالم القليلة التي حافظت على العربات المجرورة بالخيول كتراث لامادي، فإن “الكواتشيّة” يعانون من مصاعبَ كثيرة تؤرق بالهم وتصعّب عليهم الاستمرار في جعل هذه “الحْرفة” مصدر رزقهم. ورغم محاولات السلطات العمومية، في عدة محطات، هيكلة هذا القطاع، فإن الفاعلين فيه ما زالوا يشْكون من تفاقم الأوضاع.

ووفق مسؤول سابق في الجمعية المهنية لأرباب وسائقي العربات المجرورة بالخيول (الكوتشي) التي تأسست في 2006، فإن أهمّ ما مشاكل القطاع تتمثل في غياب أي تقنين للمهنة. فالمهنيون لا يستفيدون من خدمات الضمان الاجتماعي ولا من التغطية الصحية. كما أن مداخيلهم غير مستقرة وتتفاوت قيمتها بحسب الظرفية السياحية، ما يؤثر سلباً في وضعيتهم الاجتماعية ويزيدها تفاقما.

ووفق المتحدّث ذاته، فإن المهنيين السابقين (وأغلبهم كانوا مستخدَمين فقط وليسوا ملاّكا للعربات والخيول) إذا لم “يستغلوا” بعض فترات الموسم التي تشهد فيها السياحة انتعاشاً ويوفّروا ما يعيشون به في “السّبع العجاف”، فإنهم في الفترات “البارْدة” في الموسم الساحي قد لا يوفّرون حتى ما يسدّون به رمق عائلاتهم..

ولا يسلَم مالكو العربات والخيول، بدورهم، من المشاكل التي تُكبّل خطوات الارتقاء بالمهنة وتحسين ظروف شغّيلتها. فإذا كان كثير من المراكشيين قد جعلوا فرْض السلطات المعنية، قبل سنوات، “حفّاظاً” لمنع تلويث شوارع المدينة وأماكن توقف الخيول مدعاةً للتندّر والسخرية، فإنّ “النظافة” تعدّ واحد من أصعب التحديات المطروحة على مالكي الخيول المخصّصة لجرّ عربات “الكوتشي”. ففي كل المناطق التي توجد فيها إسطبلات تسجَّل يوميا احتكاكات مع السكان المجاورين بسبب الرائحة الناتجة عن رُوث البهائم وانتشار الذباب والحشرات في محيط الإسطبلات.

وإذا كانت هذه الإسطبلات ما زالت تتوزع على مناطق مختلفة في مراكش (الموقف -عرصة مولاي بوعزّة -الحي الجديد -المْحاميد) فإنّ منطقة “عرصة مولاي بوعزة” مثلا (محيط “ليسّي” محمد الخامس) لا تتوفر على قنوات للصرف الصحي، ما يتسبّب في مناوشات يومية بين السكان ومالكي الخيول. وسجّل مُحدّثنا في هذا السياق أنه لم يتمّ، حتى اليوم، إنشاء أيّ إسطبل في المدينة أو محيطها بمواصفات تحترم التصميم الهندسي للمنطقة.

ولنا أن نتصوّر حجم معاناة مالكي هذه الخيول في ظل وجود 148 عربة تُخصَّص لكل واحدة منها أربعة خيول، وأحياناً خمسة. في هذا السياق، أشار مُحدّثنا إلى أن الجمعية المهنية كانت تتطلع إلى تمكين منخرطيها من إسطبلات نموذجية لم تُنجَز حتى اليوم. فرغم المصادقة على هذا المطلب بالإجماع في اللجنة المحلية (المجلس الجماعي) فقد تعثّرَ حين وصل إلى اللجنة الإقليمية، إذ جُمّد بسبب “مشاكل تقنية”.

ومؤخرا، قام بعض المهنيين بمبادرة مع المجلس الجهوي لسيدي يوسف بن علي على أساس أن تكون هندسة إسطبلات “الحي الجديد” متوافقة مع الهندسة المعمارية لـ”الدّوار”. وقد وُضع بالفعل تصميم على صعيد البلدية عُرض على المهنيين الذين وجدوه مناسباً لكنْ -لأسباب غير معروفة- جُمّد المشروع ولم يخرج إلى العلن وبقيت الإسطبلات عشوائية.

في المقابل، تحقّقت للجمعية المهنية لأرباب وسائقي العربات المجرورة بالخيول (الكوتشي) بعض مطالبها، مثل إنشاء مشرَبات قرب بعض الفنادق الفاخرة، بشراكة مع المجلس الجماعي وجمعية الرفق بالحيوان “سبانا”، التي تتكفّل بإجراء فحص دوريّ (كلّ أربعة شهور) لخيول عربات “الكوتشي”.

في هذه الظروف، إذن، تواصلُ هذه الذاكرة المتنقّلة سيرها الحذِرَ في أزقّة وشوارع مدينة تسير فيها وتيرة الحياة أسرع من “الكوتشي” بكثير، وإن كان الأخير لا يزال يساهم في إنعاش قطاع السياحة وفي إعطاء مزيد من الإشعاع الدولي لمراكش. وبتطلّع إلى أفقٍ أفضل، يواصل ما تبقّى من “الكواتشيّة” المحافظة على مهنة الأجداد، ثابتين على درب مهنة “مُحاصَرة” تعيش بفضلها قرابة 600 أسرة في المدينة الحمراء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.