بقلم: عادل بن حمزة

 

تعيش بلادنا هذه الأيام على إيقاع دخول مدرسي أريد له أن ينشغل بالشجرة التي تخفي الغابة، إذ بالرغم من فيض المخططات و المجالس و اللجان و الملايير و السنوات و آلاف الضحايا، لازال التعليم ببلادنا يعد أكبر الإخفاقات والخيبات في مغرب ما بعد الإستقلال..وضع كارثي يزداد سوادا سنة بعد أخرى، ورغم حجم الكارثة فالمحاسبة لم تجد طريقها للمسؤولين، اللهم بعض الرماد الذي لا يصلح لكل العيون…، ويصلح فقط لإستهلاك خطاب المحاسبة “الشفهية”. وحدها الأسر تتجرع مرارة الواقع، أمام إستقالة كلية لدولة تركتهم في مأدبة “اللئام”؛ من التجار الجدد في أعطاب المنظومة التربوية التي تبيض لهم ذهبا. مسألة تربية الأبناء و تعليمهم تشغل العائلات و الأسر، بل تشكل هاجسا و مصدرا لقلق حقيقي يتعلق بمستقبل الأبناء، خاصة عندما لا يكون هناك ما يستحق أن يورث، بل حتى في حالة وجوده؛ فإن العقلاء يفضلون أن يرث أبنائهم العلم، و الاستقلالية، و القدرة على خوض إمتحان الحياة، بدل الإعتماد على ثروة سهلة قد تسيح من بين أصابعهم في أول أزمة و أول إمتحان، لكن ماذا عن الدولة؟ و عن مصير الأمة في ظل تعليم فاشل؟ كيف سنكون غدا بين الأمم و نحن مجرد ملايين متراكمة من الجاهلين و البائسين؟ ترى ماذا يمكن أن يفعل الجهل بالوطن…؟ ليست بدعة التعاقد مع آلاف الأساتذة وحدها إحدى حلقات الفشل، أو إستقدام المتعاقدين مباشرة من منازلهم إلى فصول الدراسة، و هو أمر مسيء للمتعاقدين.. لكنهم أمام البطالة، ليسوا في و ضعية الاختيار أو وضع الشروط، لكن هذا الاختيار في المقابل يعد كارثة على التلاميذ و كارثة على المدرسة، بالطبع الإستثناءات لا يقاس عليها، وربما تكون بلادنا من خلال تلك التعاقدات، هي البلد الوحيد الذي يستسهل مهنة التدريس سواء بالنسبة للأطفال أو اليافعين، باقي فصول الفشل تتمثل في الكتاب المدرسي الذي حوله ميثاق التربية و التكوين إلى ريع، تتم من ورائه مراكمة أموال طائلة؛ رغم أن مضمونه في العموم لا يحتاج إلى تعليق، فالكتاب الذي كانت الأجيال السابقة تتوارثه إلى جانب ما تبقى من أوراق صالحة في دفاتر السنة، أصبح اليوم “jetable” و كل ذلك بمنطق تجاري متخلف، في الوقت الذي تعتمد شعوب أخرى المنهاج التربوي بالكامل بالصيغة الالكترونية؛ حيث يدرس التلاميذ عبر اللوحات الإلكترونية المدعمة من طرف دولهم، و ليس عبر تلك المشاهد المؤسفة، لأطفال صغار يحملون أوزانا تفوق أوزانهم، و كل ذلك يتم لإرضاء جشع المستثمرين الجدد في القطاع و ترك الدولة الحبل على الغارب.

لقد تحولت العائلات و التلاميذ إلى جيف ألقي بها إلى تجار بلاضمير، حيث يتم إستنزاف موارد العائلات على محدوديتها في رسوم التسجيل و إعادة التسجيل و الواجبات الشهرية و تكاليف الكتب و دروس الدعم التي تمثل سرقة للحياة من أطفال و يافعين، و ذلك بجعلهم يعيشون جحيم التعليم بدل المتعة التي تفرز أجيالا مبدعة لها ثقة بالنفس و قادرة على خوض أمواج الحياة المتلاطمة.

إذا بلغت الدولة هذه الدرجة من العجز، فإنه أصبح من اللازم اليوم التفكير في اعتماد نظام “المدرسة التعاونية” إلى جانب النظام التربوي الرسمي الفاشل المتمثل في القطاعين العام و الخاص، فمادامت العائلات تتحمل المصاريف الكبيرة لتدريس أبنائها عبر دروس الدعم التي لا تستثني أي مادة تدرس، فإن العائلات، بشكل تعاوني هي أولى بالأموال التي تذهب لمدارس القطاع الخاص، وهذا النظام معترف به في كثير من بلدان العالم، منها كندا و بلجيكا و الولايات المتحدة الأمريكية و غيرها، و أصبح يحظى بالإهتمام في العديد من الدول، فمادام التلاميذ يخضعون للمناهج الرسمية و يتم إمتحانهم و فقا لما تحدده الوزارة الوصية على القطاع، فإنه آن الآوان لتجريب أمر غير تقليدي، لأزمة تقليدية..، كما أن “المدارس التعاونية” سوف تسمح بإعادة التواصل المفقود في المجتمع؛ عبر تمكين تلاميذ جميع الطبقات الاجتماعية من الدراسة في ذات المدرسة و هو ما كان سائدا سابقا، كما أن الدولة التي توزع آلاف الهكتارات و ملايير الدراهم على كبار الفلاحين، من واجبها في أقل تقدير أن تمكن تلك التعاونيات من المدارس الكثيرة التي تقوم بإغلاقها كل سنة في إنتظار انهيارها و بيعها للحيتان الكبيرة للعقار…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.