منذ تسويقها عام 1973 في المغرب ظلت فلاغ سبيسيال البيرة المفضلة لدى “الشاربان” المغاربة. ابتداء من سنة 2003 ستصبح هذه العلامة تابعة لشركة كاستل الفرنسية.

حسب الأرقام فالمغاربة يشربون 100 مليون لتر من البيرة سنويا، وهذا ما جعل غرفة التجارة الألمانية بالدار البيضاء تفكر في تنظيم مهرجان للبيرة الألمانية عندنا، فالأمر بالنهاية يتعلق بالصراع بين البيرة البفارية الألمانية والبيرة الفرنسية على سوق يصل عدد نقاط البيع فيها إلى 60 ألفا، بمعدل 4 نقط بيع لكل 1000 نسمة بالوسط الحضري، أكثر مما هو الأمر في فرنسا مثلا التي لا يتعدى فيها المعدل نقطة واحدة لكل 10 آلاف نسمة.

عائدات سوق البيرة بالمغرب لا تستفيد منها فقط شركة “مشروبات المغرب” التي تملك أسهمها شركة كاستل الفرنسية بل كذلك خزينة الدولة، وقد بلغ الرسم المفروض في مشروع قانون المالية لسنة 2019 على أنواع الجعة مثلا 823.850.000 درهم.

يجب أن نعرف أن هذا المهرجان الذي أثار ضجة في مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن يتراجع منظموه، كان يقام بشكل سنوي داخل أسوار السفارة الألمانية حيث تتم دعوة ضيوف وأجانب رسميين وغير ذلك لكي يتذوقوا أنواع البيرة الألمانية.

هذه السنة فكر المنظمون الألمان في غرفة التجارة أن يخرجوا “النشاط” من السفارة لكي يحط الرحال بالمدينة الخضراء في بوسكورة حيث يقطن علية القوم وسط محمية شبه مغلقة.

من الناحية القانونية ففي المغرب يمنع بيع الخمر للمسلمين. وعندما يشتري زبون مشروبات كحولية من الأسواق الممتازة أو نقط البيع فإن الباعة يمتنعون عن تسليمه وصلا بالبضاعة التي دفع ثمنها، مما يعني أن الخمور التي تباع لملايين المسلمين في المغرب تتم بطريقة غير معترف بها.

من الناحية القانونية أيضا يمنع المغرب القيام بإشهار للمشروبات الكحولية، سواء كان ذلك عبر الصحافة أو التلفزيون أو المهرجانات.

بعبارة أخرى يضع منظمو مهرجان أوكتوبرفيست أنفسهم خارج القانون المغربي، طالما أنهم يريدون إخراج “نشاطهم” من مقر السفارة الذي يعتبر قانونيا امتدادا للتراب الألماني إلى التراب المغربي.

وبالنسبة لشركات إنتاج الخمور العالمية فالمغرب سوق واعدة، فحسب تقارير رسمية فالمغاربة يستهلكون في العام الواحد 131 مليون لتر من المشروبات الكحولية، 400 مليون قنينة جعة و38 مليون قنينة نبيذ، ومليون ونصف مليون قنينة ويسكي، ومليون قنينة فودكا، و140 ألف قنينة شامبانيا.

والخطير في كل هذه الإحصائيات هو أن استهلاك الخمور في المغرب يرتفع سنويا بمعدل يتراوح ما بين ثلاثة وستة في المائة، وهو معدل مخيف إذا ما قارناه بنسبة تراجع استهلاك الخمور في الدول الأوربية، خصوصا في صفوف الشباب والنساء.

ونحن هنا نتحدث عن الأرقام الرسمية التي يحصيها المندوب السامي للتخطيط، أما إذا أردنا أن نتحدث عن زبناء “الكرابة” الذين يشترون الخمور المهربة فإننا بلا شك سنعثر على رقم مهول يبعث على الرعب.

وهناك أيضا طبقة أخرى من المغاربة تستهلك “الماحيا” التي يعصرها من “الشريحة” متخصصون في المنازل ويبيعونها تحت المعاطف. ففي المغرب كل واحد يسكر حسب إمكانياته. وإلى الآن، لازال هناك مغاربة في المناطق “المقطوعة” يسكرون بقراعي “الريحة مولات إطرو”، أو ما يسمونه “ريحة الشابو”، نظرا إلى مزاياها “المزنزنة”.

وإذا كان القانون المغربي متساهلا مع شركات إنتاج الخمور، فإن هناك اليوم في أوروبا حملات شرسة ضد هذه الشركات، خصوصا تلك التي لا تحترم قوانين الاستهلاك المشددة. كما أن هناك عقوبات صارمة تترصد الأسواق الممتازة ومحلات بيع الخمور والملاهي والمطاعم إذا ما غامرت ببيع المشروبات الروحية للقاصرين أو مستعملي الطريق.

والسبب هو أن كل الدول الغربية، العلمانية في أغلبها، اقتنعت بأن استهلاك الخمور يتسبب في كوارث اجتماعية وصحية خطيرة، ولذلك شددت الخناق على الشركات وأصبحت تفرض عليها دفع إعانات مالية سخية لمختبرات البحوث حول الأمراض السرطانية، مثلها مثل شركات التبغ بحكم مسؤولية هذه الشركات المباشرة عن إصابة المواطنين بهذا المرض القاتل.

وحتى مرور إعلانات شركات الخمور في الإعلام يخضع لرقابة صارمة، وكل شركة تريد نشر إعلان لخمورها ملزمة بالإشارة إلى كون مشروبها يمكن أن يتسبب لمستهلكه في أمراض سرطانية، ولذلك تنصحه باستهلاكه باعتدال.

عندنا في المغرب، البلد المسلم الذي يمنع قانونه إشهار الخمور وبيعها للمسلمين، تنشر المجلات الفرنكوفونية كل أسبوع إعلانات ملونة للفودكا والويسكي و”الروج” بدون أية إشارة إلى المخاطر الصحية التي يمكن أن تتسبب فيها هذه المشروبات لمستهلكيها.

في أمريكا، هناك مطاعم وعلب ليلية وحانات في فلوريدا ونيويورك عندما تريد جماعة من المواطنين دخولها يسألها حارس الباب عن الشخص الذي لن يشرب، وعندما يدلونه عليه يضع في يده سوارا ملونا، ويكون هناك من يراقبه داخل الحانة ويفاجئه بشم الكأس الذي يشرب فيه بحثا عن أثر للكحول. أما إذا أتيت بمفردك لدخول واحدة من هذه الأماكن، فإن الحارس يضع في معصمك السوار مباشرة، لأنك ستأخذ سيارتك عندما ستخرج، وإذا شربت فيمكن أن تتسبب في حادثة سير، مما يعني أن صاحب المطعم أو الحانة سيتحمل معك نصيبا من المسؤولية.

والشرطة الأمريكية هي أحسن من يطبق الحديث الشريف الذي يقول إن النية أبلغ من العمل. والدليل على ذلك أن الشرطي الأمريكي إذا أوقف سيارتك ووجد داخلها قنينة “بيرة” مفتوحة فإنه يعتقلك مباشرة ويقدمك أمام القاضي، لأن مكان وضع الخمور في السيارة هو “الكوفر”، وإذا كنت تحتفظ بقنينة خمر مفتوحة بجانبك فلأنك كنت تنوي شربها، وحتى لو لم تشربها فإن ذلك لا يعفيك من “المينوط”. أما إذا ضبطك وقد شربت منها فإنه يأخذك إلى الحبس “نيشان، ما فيها لا هادي لا ديك”.

أما عندنا، فلم نسمع يوما أن شركة “مشروبات المغرب” أو واحدة من شركات إنتاج الخمور فكرت في المساهمة لصالح مراكز العلاج المتخصصة في أمراض السرطان أو الإدمان، مع أن هذه الشركات تتحمل المسؤولية المباشرة عن ارتفاع حالات سرطان الكبد والجهاز الهضمي والحنجرة لدى المغاربة.

أما الإعلام العمومي فضميره مرتاح من هذه الناحية، فحسب الرواية الرسمية فكل هذه الملايين من اللترات يستهلكها السياح الأجانب وغير المسلمين.

ارتفاع استهلاك الخمور سنويا بستة في المائة يجب أن يستنفر جميع جمعيات مكافحة السرطان وأمراض السكري والكبد، لأن معركتها الحقيقية ليست فقط ضمان التكفل بالمرضى، وإنما أيضا الحد من جبروت هذه الشركات المتوحشة التي تغزو بمشروباتها البيوت والأزقة والأسواق التجارية، دون أن يكون هناك من يوعي المغاربة بمخاطر هذا الغزو الصامت الذي يدمر حياتهم ومستقبل أبنائهم.

رشيد نيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.