ساهمت ملكة الحفظ بدون فهم في تواضع الفكر القانوني المغربي، فلم نستطع على مدى قرابة ثلاثة أجيال من الزمن أن نؤسس نظرية قانونية ننسبها لأنفسنا.
وقد انعكس هذا الذي حصل على التشريع، فعجزت قواعده على تحقيق مقاصد واضعيه، فنشط معول التغيير والتعديل مما زعزع استقرار المعاملات بشكل ملفت للنظر.
على أن مسؤولية بعض المدرسين في تنامي ظاهرة الحفظ الحرفي ثابتة بلا منازع،  فقد انصاع الطلبة لسياسة الأمر الواقع التي جعلتهم، يتقيدون بالمقرر الذي أخرجه المدرس في شكل كتاب له رقم إيداع ولا بديل لهم عن شرائه للحصول على نقط أفضل.
نشأت عن ذلك فئة من الطلبة تعتمد الاستظهار اليدوي بدون استيعاب، ماعدا قلة قليلة ممن تطرق أبواب الخزانات للإطلاع والفهم الجيد..
وظهرت على السطح طرائف تعكس بوضوح تعثر ملكة الفهم لدى البعض…
فقد سألت طالبا كرر أمامي عبارة (مع إدخال الغاية)عن معناها فأسهب في الحديث عن مرامي المشرع والحال أن الكلمة تعني احتساب نهاية السطر أو الصفحة..
أما الذي استطاع أن يترجم بدقة علة الحفظ بدون فهم، فهو ذلك الإطار الحقوقي الذي أجاب عن سؤال شفوي في موضوع النسب أمام لجنة.
أصيبت بالدهشة قائلا.: (العمل فرينة على الزنا) وتبين أنه يستظهر من دفتر لزميل له خطه رديء، وان الكلام الصحيح هو(الحمل قرينة على الزنا) متى لم يكن عقد زواج..
أتيحت الفرصة للحفظة بدون فهم أن يشاركوا بصورة أو بأخرى في إعداد نصوص القانون، فلم يخل التشريع من الركاكة والقصور .

وفي محاولة بائسة اعتمدت الترجمة اليدوية للنص الأجنبي فيما له مرجعية وطنية فقها أو عملا قضائيا متواترا…
أذكر طالبا استظهر أمامنا من كتاب أوصاف الالتزام فقرة قال فيها:”يتضمن الالتزام (قوائم الجراد)، ولم يكن لهذه الحشرة أية علاقة بالنظرية العامة للالتزامات، بل العبارة هي (قوائم الجرد) أي الحساب .
مثل هذا الطالب قد يصبح يوما ما رجل قانون،  فكيف يكون الحال متى حافظ على هذا المستوى من الحفظ الخالي من أي فهم بسيط لأبجديات القانون.

بقلم: الدكتور رشيد مشقاقة رئيس منتدى القضاة الباحثين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.