رشيد مشقاقة

رئيس المنتدى المغربي للقضاة الباحثين

قبل يومين وأنا أتصفح الكتب المستعملة بإحدى المكتبات، سقطت عيني على كتابي “وجهة نظر” كنت أهديته في بداية تسعينيات القرن الماضي تحت عبارة: “إلي أستاذي الفاضل، أهديك كتابي هذا آملا أن يحظى بموفور اهتمامك.تحياتي”. اشتريته بثمن بخس، وغادرت المكتبة متأسفا.

وقد ذكرتني الواقعة بما حصل للمفكر جورج برناردو الذي أعاد إهداء مسرحية له لنفس الشخص بعد أن وجدها تباع في سوق الخردوات. وكتب على غلافها:”أجدد تحياتي !”

أرى أن الجهل المطبق أقل خطر من ظهور المرء بمظهر القارئ المثقف. فالأول واضح ويخرج من دائرة الاهتمام، أمّا الثاني فمستتر.. ومؤثر على نفسه وعلى الغير، فإذا كان قد بنى جدارا عازلا بينهُ وبين التعليم فهو في نفس الآن امتلك القدرة الفائقة على خداع الناس بدور العارف الذي يمثله باقتدار. لئن كان من اليسير اكتشاف الجاهل، فإن الصدفة وحدها هي من تعرفنا بالمثقف المزيف.

إن حظوظ هذه الفئة من المرائين في اقتناص المناصب والتمثيليات جد وافرة. على أن سلوكهم هذا مضر جدا بالمرافق التي يعملون بها رؤساء كانوا أم مرؤسين، على خلاف المثقف الصادق الحريص على تكوين ذاته وأطر المرفق الذي يمثله، فمسؤوليته أفقية محضة، ورغبته في التكوين والتكوين المستمر لا حدود لها، وبذلك يزدهر المرفق أو المؤسسة التي تديرها هذه العينة من الكفاءات.

واقع الحال يشهد أن المثقف الحقيقي شخص مغمور ذابل مُنْزَوٍ لَهُ أعداء، أما البطل الذي يمثل دوره فهو نجم مشع معتبر وله أنصار. فلم تعد الثقافة تُطَهِّرُ النفس البشرية من العبث والتفاهة والعتمة بقدر ما أضحت إكْسِسْواراً يخدع البصر والبصيرة.

عندما أجد مكتبات وخزانات وأروقة فارغة تماما من مرتاديها. وأعاين مكتبة مغلقة أو تحولت إلى محل لبيع الأكلات السريعة. وعندما يصارحني صاحب كشك أنه لم يبع خلال أسبوع كامل كتاباً واحدا، وعندما أقف إلى جوار دكان للجزارة يتبادل به مستخدموه مع الزبائن ألفاظ ماجنة، ويقول التاجر: دعنا من وجع الدماغ “آش من ثقافة” تشمئز نَفْسي وأقول على التربية والتعليم السلام.

تَبْذُل وزارة الثقافة والمجتمع المدني مجهودا طيباً لإنقاذ الكتاب وتشجيع القراءة، وكأنما هي صيحة في واد أو آذان في مالطة.

الشخص الوحيد الذي نجح في تشجيع زوجته على القراءة، هو ذلك الكاتب الذي لما لمس في زوجته المتعلمة إعْراضا عن القراءة، فكتب على ورقة وضعها بجوار رواياته العبارة التالية ” يعود الفضل في كتابة رواياتي الأربعة إلى من ستجدون اسمها بين السطور إنها ملهمتي”. كانت هذه العبارة كافية لكي تنقض زوجته على الروايات الأربعة وتستظهرها بدقة جد متناهية لتكشف المستور، وبدون إدراك وجدت نفسها تناقش زوجها في التفاصيل والاحداث لتكتشف أن مسعى زوجها لم يكن سوى تشجيعها على الثقافة ولم تبلغ ذلك إلا في مرحلة أدركت فيها القيمة المعنوية لما يكتب زوجها، والمدنية الفاضلة التي ينشدها ليقول لها بعد ذلك: أنت الآن ملهمتي فعلا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.