في قصة الحديث النبوي الشريف: “إذا لم تستح فافعل ما شئت” حكمة، فعندما سخر قاطع طريق من الإمام شعبه بن الحجاج وأجبره على أن يقرأ عليه حديثا حتى يرويه عنه، ردّ عليه الإمام: أنت سفيه لا تستودع العلم والحديث، لكنه اضطر خشية الإيذاء أن يجيبه إلى طلبه بذكاء قائلا: حدثني منصور عن ربعي عن أبي مسعود أن النبي على الله عليه وسلم قال: ” إذا لم تستح فافعل ما شئت”.
كلما استحضرت تجربة الإشعاع الثقافي بالمحاكم تخطر ببالي قصة الإمام وقاطع الطريق.
لم يكن بالأمر الهين أن يكون لمحكمة الاستئناف بالرباط دورها الرائد في المشهد الثقافي، وأن تمثله أنجح تمثيل، وأن تحج إلى رحابها وفود متنوعة المشارب من كل حدب وصوب، فقد كانت بيننا فئة ـ سامحها الله ـ لا ترحب بذلك، وتظن بنا ظن السوء، وأننا نرغب في مكسب مهني ما، ولم يكن ذلك الهاجس وأرادا بأنفسنا على الإطلاق، كنا فقط ننشرح عندما يزداد الإقبال على الندوات، أو إذا قدمنا كتب القضاة لوزراء العدل عند بداية كل سنة قضائية، أو إذا بلغ إلى علمنا إطراء على ما نقوم به، كل هذه الإيماءات تشجعنا على البذل والعطاء. وإذا كان هذا النجاح الباهر ساهم فيه بصدق مسؤولون قضائيون مشهود لهم بالطيبة والكفاءة ونكران الذات وحسن الطوية وحبٌّ العلم لذاته وتشجيع الكفاءات، فقد كان يحصل بين الفنية والأخرى أن تتعثر الخطى ويخفت بريق الإشعاع ونصاب بالإحباط متى لم نجد العقل المتفتح والصدر الرحب لمواصلة المشوار، وإذا كنت قد شاركت وترأست اللجنة الثقافية بمحكمة الاستئناف بالرباط وبذلت قدر المستطاع من الجهد المتواضع لتشرق شمس الثقافة فإنا ما وخزني من الإبر الممسوكة بإحكام خفية وعلنا من الفئة الأنف ذكرها لا يقع تحت حصر، لكن سمومها لم تعكر نقاء الدورة الدموية فظلت دماؤها طاهرة عفيفة نشطة.
قد تصابون بالاندهاش متى أطلعتكم على بعض نماذج الإيذاء والإحباط التي اجتهدت في صناعة الكبوات، فعلى مدى أزيد من عقدين من الزمن وإلى حين تأسيسي المنتدى المغربي للقضاة الباحثين تحملت بشجاعة لا توصف عبئ الاستمرار ولم يكن ذلك سهلا. وهذه نماذج منها على سبيل المثال لا الحصر:
1ـ وأنا أترأس ندوة “مدونة التجارة” التي استضفنا لها الأستاذ الجليل أحمد شكري السباعي، سلمني عون المحكمة ورقة كتب عليها ما يلي: “دع رئاسة الندوة لمن هو أقدم منك”، وقد نجحت أشغال الندوة، وناديت على كاتب الملاحظة وأخبرته أن الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بالرباط هو من كان سوف يترأس الندوة فحاله دون ذلك ظرف طارئ، وأنه استدعى أعضاء اللجنة الثقافية ومن بينهم الأستاذ الجليل الراحل عبد الصمد الزعنوني، فأسندوا إلى تسيير الندوة، وقلت له إن بإمكانك استفسار الرئيس الأول في الموضوع فلاذ بالفرار.
2 ـ عندما أهدينا إلى جلالة الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه ندوات محكمة الاستئناف بالرباط، وقد كانت إمكانيات الطبع جد متواضعة.
استهدفتنا الفئة الأنف ذكرها بالانتقادات، في الوقت الذي توصلنا بتهنئة وثناء على حسن المبادرة وتشجيع على المضي فيها من طرف السيد وزير العدل أنذلك.
3ـ عندما ارتأى نظر الأستاذ عمر عزيمان وزير العدل آنذاك أن يؤخذ بالمعطى الثقافي والفكري كعامل من عوامل الترقية واجهتنا حملة شرسة ممن ادعوا أن انجازات القضاة العلمية تتم على حساب العمل القضائي بينما كشف الواقع أن الإنتاج السنوي لهؤلاء القضاة يفوق كما وكيفا السقف المطلوب من الوزارة. وقد فشلت خطة السيد وزير العدل ولم يستمر العمل بها.
4 ـ عندما أشركت ملحقة قضائية تربت في بين الدين والعلم والفكر وذات كفاءة وبعد استشارة السيد الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بالرباط في ندوة علمية تحت عنوان ” الخبرة القضائية ودورها في الإثبات” تجندت ألسنة الفئة الأنف ذكرها لترويح إشاعات بغيضة من بينها أن المحاضرة مبتدئة وقد تمت محاباتها، فلما استمعوا إليها غيروا رأيهم، ونجحت في مسعاها ولا زالت لغاية يومه.
5 ــ كانت تضحيات المسؤوليين القضائيين لا نجاح العمل، الثقافي بالمحكمة كبيرة، وكانوا يتكبدون المصاريف من مالهم الخاص، فكم من مرة صرفت شيكا للرئيس الأول أو الوكيل العام للملك لتغطية بعض التكاليف التي يقتضيها إحياء تظاهرة ثقافية ما، وفي المقابل فاجأني مسؤول قضائي متقاعد عندما أًصر على أن تطبع انتاجات المحكمة لدى شخص معين، وأن تأخذ العائدات منها مسارا غير الذي دأبنا عليه في مساعدة القضاة المرضى والموظفين المعسرين وبل وتنظيم جائزة مادية في الموضوع، وقد نتج عن هذا الاختلاف أن تولى المسؤول المعني بالأمر رئاسة اللجنة الثقافية وكلف موظفا بسيطا يجمع أشغالها بما فيها رقم الإيداع والعائدات باسمه الخاص. وهو ما أدى إلى تراجع النشاط الثقافي وامتعاض القضاة من هذا المسار، ونصب لي هذا المسوؤل عدة كمائن سيأتي الحديث عنها لاحقا وفي الوقت الملائم. كان موقفي واضح: هذا عمل من انجاز المحكمة وقضاتها، وعائداته ينبغي أن تعود على المحكمة وقضاتها بالنفع. وليس الاثراء غير المشروع.
6ـ انتقل التنافس السلبي في بعض الحالات إلى إعفائي من مهام التكوين المستمر للملحقين القضائيين، على أن هذا الإعفاء الرسمي لم يمنع الملحقين القضائيين بل والطلبة والمحامين المتمرنين من طرق باب مكتبي أو خلق فضاءات موازية سواء بالكلية أو غيرها لتبادل الأفكار والاستفادة.
7 ـ انتقل التنافس السلبي إلى حذف اسمي من بعض اللقاءات العلمية التي كنت فاعلا حيويا بها مثل اللقاء المغربي الفرنسي والموائد المستديرة، ومن أغرب الأمور أن يبدي في حقي هذا المسؤول ملاحظة كتابية غريبة كالأتي: ” يتخلف عن حضور الندوات العلمية لرغبة في رئاستها كما أنه لا يحضر الجمعية العمومية.
ويأتي باكرا إلى المحكمة” سبحان الله
8 ـ انتقل التنافس السلبي لما هو أخطر من ذلك وسآتي الوقت الملائم للحديث عنه بالواضح لاحقا.
9ـ استبشر القضاة خيراً بالدستور الجديد الذي سمح للقضاة بتأسيس جمعيات مهنية فأسست “المنتدى المغربي للقضاة الباحثين” وعن ظروف التأسيس والصعوبات والمكائد التي أحاطت بالموضوع سيكون حديث الجمعة المقبلة.
قلب الحديث النبوي الشريف حياة الامام عبد الله بن مسلمة رأسا على عقب، ورجع تائبا إلى الله عز وجل، ولازم الإمام مالك بن أنس، فأًصبح من خاصة تلامذته ومن رجال الحديث النبوي: رجل ثقة وإمام مشهور.
عندما ترد على ذهني هذه المواقف أتذكر قول النبي “ص ”
” إذا لم تستح فافعل ما شئت” وقصة الإمام وقاطع الطريق”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.