عبد الرزاق بوتمزار

 

في كل البلدان التي حققت قفزة نوعية نحو المستقبل وألحقت مركبها بمراكب الدول المتقدِّمة، جرى إعمال مبدأ المحاسبة وتفعيله على أرض الواقع، بدل الاكتفاء برفعه شعاراً للاستهلاك في مناسبة أو مرحلة مُحدَّدتَيْن يمْكن بعدهما إلقاؤه في سلة المهمَلات، بعد أن استوفيا أجلهما وانتهت صلاحياتهما بمرور المناسبة أو بانقضاء المرحلة، كما حدث ويحدث في مغربنا العزيز.

في مغرب ما بعد الاستقلال، لم يتم توزيع ثروات البلاد بكيفية عادلة ولا تم إعمال قانون يحاسِب المسؤولين على خروقاتهم، القانونية، السياسية والاجتماعية، ولا تم تفعيل قوانينَ تزجر كل مخالِفٍ لضوابط المسؤولية الملقاة على عاتقه، كما كان يتمنى الجميع؛ بل حدث العكسُ تماماً، فتكالب الوزراء والبرلمانيون والمسؤولون، كلٌّ من موقعه، يستنزف خيرات البلاد وينهَبُها ويراكم ثرواتِ شرائحَ واسعة من المغاربة في رصيده الخاص في أبناك الداخل والخارج، في سلسلة محكَمة الإغلاق، عصيّةٍ على الاختراق، سلسلةٍ من اللصوص “المحترَمين”واللاهثين وراء تكديس الأموال وحصد الامتيازات، إلا من رحم منهم ربي.. ضمن “مافيا”حقيقية استفادت من تواطؤات وخُطط محكَمة وضعتْها ووزّعت أدوارَها في ما بينها لنهب المغرب واستنزاف جيوب المغاربة، متسلِّحين من أجل ذلك بـ”الحماية”التي توفِّرها لهم مواقعهم في أعلى هرم السلطة ومن “صمت”بقية مكونات السلسلة، التي “نهشت”لحمَ المغاربة على امتداد عقود وأحالت فئاتٍ واسعةً من أبنائه “غرباءَ”في وطنهم، مسكونين بهواجس التعلم وبكوابيس الحصول على عمل، بعد التخرّج، يضمن لهم القسط الأدنى من العيش بكرامة فوق خارطة بلد “امتصّت”خيراتِه فئة قليلة من “المحظوظين”ممن وُلِدوا وإلى أفواههم تمتدّ ملاعقُ من “ذهب”مغربٍ ساهم الوطنيون الحقيقيون في تحريره من نير الاستعمار، ليجد غالبية أبناء هؤلاء الوطنيين أنفسَهم أمام مصير مجهول، في ظل وضع كرّسته “ثقافة”الاستفراد بمواقع المسؤولية لغاية واحدة ووحيدة: الاستحواذ على خيرات البلاد وتوزيعها بين “أولاد العائلات”، الكبيرة في أعين أفرادها، الصغيرة بحقيقتها المُخزية، المفضوحة في “مرآة”التاريخ، التي لا تكذب ولا تُزوّر الحقائق…

ولأن أصحاب هذه “السلسلة”، التي تحكّمت في مصير البلاد والعباد، منذ الاستقلال إلى اليوم، لم تكنْ تريد لـ”أبناء الشعب”أن “يخترقوا”دائرتَها، مُحكَمةِ الإغلاق، فقد “حصّنوا”قلاعَهم جيداً، عبر تكريس أبشع المظاهر، من محسوبية وزبونية وارتشاء، “ضمنت”لهذه “السلالة”من اللصوص، المقنَّعين بأقنعة “المسؤولين”أن “يتوارثوا”مناصب “المسؤولية”هذه ويحافظوا على نفس “قانون الغاب”، الذي سنّوه وارتضوه فرماناً أوحد لهذا المغرب المسكين: أن يتواصل الدورانُ في نفس الحلَقة، المفرَغة بالنسبة إلى معظم أبناء المغرب، “العامرة”، بالنسبة إلى هذه “الأقلية”، المتجبِّرة، الفاسدة والمُفسِدة…

في مغرب اليوم، وقد اشتعلت الثورات الشعبية في كل أنحاء خريطة الجوار وهبّتْ نسمات “الربيع العربي”وتفتّحتْ أزهارُه حتى في الصحارى القاحلة، أصبح الوضعُ غيرَ ما كان عليه حتى الأمسِ القريب: ما عاد أبناء الجيل الحالي من المغاربة يستطيعون “الصبر على ما ابتلاهم الله به من “مسؤولين”مزيَّفين.. صار متعلّمو المغرب الشباب غيرَ قادرين على كظم غيظهم والسكوت عن مصّاصي دمائهم وناهبي ثروات بلادهم.. أضحى دكاترة ومعطَّلو البلاد من حمَلة شواهد الجامعات والمعاهد العليا يفضّلون “تذوُّقَ”طعم “الهراوات”المُرَّ على درب الكفاح من أجل حقهم في الشغل على أن “ينعموا”بـ”هناء”البطالة وانتظار “الفُتات”، الذي قد “يجود”به مباريات التوظيف، التي أحكمت عليها، هي الأخرى، نفسُ “العائلات”قبضتَها ولم تعد تسمح، منذ زمن بعيد، بأن ينجح فيها إلا كل ذي “حظ”، من اسم عائلي “أنيق”أو قرابة من إحدى “السلالات”المعروفة أو “مُرتشٍ”يقبل دفع “ضريبة”مسبقة عن وظيفته الموعودة، خصوصاً إذا كانت من النوع الذي يُسيل ثمن “النجاح”فيها لعابَ “السماسرة”و”الوسطاء”وهلمّ مرتشين ومفسِدين…

لكنّ كل هذا الفساد، الذي استشرى في جسد المغرب، منذ فجر الاستقلال إلى الآن، يجب أن “يتنحّى”جانباً، بمحض إرادته أو بقوة الـ”فايسبوك”و”تويتر”وهلمّ “إبحاراً”في زمن صار فيه العالَم، بالفعل، “قرية”صغيرة ما عاد ممكناً “إخفاء”الحقيقة أو “مداراتُها”.. “قرية صغيرة”صار فيها “ٍرموز”الفساد والإفساد “عُراةً”، بعد أن رفعت “ثورة”التكنولوجيا أوراق التوت عن “عوراتِهم”، المتّسِخة، بفعل مراكمتِهم “تاريخاً”قذِراً ثقيلاً من “الدعارة”، السياسية، الاقتصادية والمالية، وحتى الثقافية، التي “مارسوها”لعقودٍ وعقودٍ في زمن “الغفْلة”، الذي “استحْلَوْه”وصاروا لا يستطيعون فِكاكاً عن “بْزّولة”المغرب /البقرة، الحلوب، التي ظنّوا أنها ستظل محتفظةً على “ابتسامتها”البلهاء في وجوههم، المقيتة، وهم “يحلُبونها”حتى بلغ الضمور و”الجفاف”بضرعَيْها مبلغاً ما عادت معه “البقرةُ الحلوب”راضية عمّا تتعرّض له “حليبُها” -المال العامّ، الذي استُبيح لسنواتٍ وسنواتٍ على أيدي “مافياتٍ”آثمة متواطئة، آنَ لها أن ترحل، قانعةً بما امتصّت ونهبت وسلبت إلى حد الآن وإلا فإن أبناء “البقرة”، التي أُجبِرت -ذاتَ زمن- على “الابتسام”، مرغَمةً، في وجوه سارقي خيراتها، سيكشِّرون عن أنيابهم أكثرَ فأكثر، فيصير مُحالا على هؤلاء “المسؤولين” /اللصوص الإفلاتُ من قبضة شباب مغاربة ما عادت تنطلي عليهم “حِيّل”الأزمنة الغابرة وما عادت تخدعهم “الأقنعة”ولا “الابتساماتُ”الصفراءُ الماكرة ولا كلُّ حِكَم و”مأثورات”الآباء والأجداد عن “خرافة”اسمُها “الرضى بما كُتِب”وهلمّ ديماغوجيا و”غسيلَ مخ”صارت قادرةً على جعلهم يواصلون “الصمت”والرضى بـقضائهم”وقدَرهم!…

يستعلن فرضُ قانونِ محاسبة كل شخصٍ يتولى منصبَ مسؤولية، صغيرا كان أو كبيراً، خياراً أوحدَ في مغرب ما بعد الدستور المنتظَر، في مغرب الألفية الحالية، التي كفانا عِقدٌ منها أضعناه في شعاراتٍ رُفِعت في بداياتِ حُكمِ ملكٍ شاب طموح أراد “إنعاش”مغربٍ تركه الراحل الحسن الثاني “مصاباً بسكتة قلبية”، يبذل عاهلُ البلاد الحالي ما في وُسعه من أجل إنقاذه من موتٍ محقَّق إلا أن رغبتَه ورغبةَ الشعب المغربي تصطدمان بـ”صخرة”عنيدة عنوانُها “فساد النخبة”، الاقتصادية، السياسية والثقافية، التي “تنكّرتْ”لدورها الحقيقي في مؤازرة الحاكم بالمشورة الحسنة وبالدعم والنصح الصادقَيْن، الكفيلَيْن بمرافقة “مركب”المغرب نحو “برّ الأمان”وفضّلتْ على ذلك “رعاية”مصالحها الخاصة، دوناً عن تلبية انتظارات وتطلُّعات أبناء شعبٍ ما عادت “تأكل”أمام عزمهم وإصرارهم على التغيير كلُّ شعارات العالَم ولا وعوده، المعسولة منها ولا المُرّة!…

لقد صار تكريس “ثقافة”المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب، في حالة “اقتراف”ما يستلزم ذلك من موقع مسؤوليةٍ معيَّنة، السبيلَ الوحيد القادر على “إنعاش”آمال المغاربة في “النجاة”من مدّ اليأس المستبدّ بنفوس شبابه المتعلّمين، الذين لن يُنصفَهم، ولو نسبياً، ويضمّد جراحهم سوى إعطائهم فرصتَهم التي يستحقون من أجل إعلان أنفسهم “نخبة”جديدة، طموحة ومتطلّعة إلى مغرب يجب أن “تنقرض”منه “العادات السيّئة”الكثيرة برحيل آخر “ديناصوراتها”، التي كرّستْ هذه العادة “السيبة”، اقتصاديا، سياسيا وثقافيا… شبابٍ متعلمين لا يريدون إلا مغرباً تُعطاهم فيه نفس الفرصة، مغرباً يضمن للجميع الحقَّ نفسَه والحظ ذاتَه في تبوء مراكز المسؤولية، شعارُهم في ذلك “من يستحق فليتقدّمْ”ومن يريد “القفز”على موقع مسؤولية لا تتوفّر فيه الشروط العلمية ولا الموضوعية التي تجعله “يستحقّه”، فعلاً، أن يتراجع إلى الخلف، وإلا فإنه سيذوق، بدوره، طعمَ “هراوات”ستنهال ضرباً على ظهور “المدّعِين”و”المزيَّفِين”، “هراواتٍ”يُنزلها على ظهورهم “المعلوفة”قانونُ ما بعدَ الدستور المقترَح، الذي نريده “مستقلاً”، بطبيعة الحال، لا يعرف لا “بّاك صاحبي”ولا “ماماكْ.. جارْتي”!…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.