لبدينات يتجاوزن الذهنية الذكورية في السينماتحتل المرأة في السينما حيزا مهما سواء أمام أو خلف الكاميرا، لكن المرأة في السينما يتم التعامل معها وفق معايير مختلفة؛ درجة الجمال، القدرة الأدائية، المنطق التجاري، والجسد وما يحمل من استقامة ونحالة وما يحمل من منعطفات وأوزان.

 

السينما الهوليودية تحاول من بدايتها عدم التمييز بين المرأة النحلية والرشيقة في السينما وبين المرأة البدينة؛ فلكلا المواصفات عشاق ومتفرجون وقصص مختارة بعناية تنشد البحث عن قاعدة جماهيرية على أوسع نطاق.

 

المرأة البدينة في السينما الهوليودية ليس فقط تثاقل الجسم والحركة البطيئة، ولكن القدرة على التحرك برشاقة وحيوية وبعث أجواء من المرح والفكاهة في قصص وسيناريوهات يتم اختيار بطلاتها بعناية فائقة يكون لهن وجود وازن في السينما الأمريكية بغرض عرض تجاري مربح في نهاية المطاف. ومن بين الأمثلة الشهيرة فقط أقف على:

 

فيلم “مذكرات بريدجيت جونز”، المرأة السمينة بامتياز! وجه رينيه زيلويغر مخادع جدا (أو كان قبل العملية الهائلة لعلم التجميل التي تركت أثارا لا يمكن تمييزها) ولكن الجسد كان شيئا متعرجا، منعطفات عظيمة، ولكن ليست ضخمة. ومع ذلك، يجب اعتبار هذا الفيلم هو الأول الذي يأتي على رأس سينما البدينات وحول الأوزان الثقيلة والدهون؛ بحيث لم تكن حتى دهونًا حقيقية، ولكن الممثلة شعرت بالانزعاج بسبب المشاركة في الفيلم وحاولت تقليصها في وقت لاحق حتى تتمكن من قبول وظائف أخرى.

 

حقا، بهذا المعنى تصبح الممثلة/الممثل عبدا لصناعة السينما! قصة جميلة ولكن نموذجية تماما، مع جسم ممتلئ وقصة حب مع رجل أكثر وسامة من المفترض أن يكون بعيد المنال عن أماني الممثلة البدينة، كما هي العادة في السينما، وعلى الإنسانة البدينة مضاعفة الجهد والعمل لنيل قلبه في نهاية المطاف.

 

فيلم “زفافي اليوناني الكبير”، بطلة الفيلم تتخطى عتبة كيلوغرامات الوزن الزائدة (ما فوق الوزن الطبيعي) ولكن بالنسبة لهوليوود سيكون مزيدا من الأرباح ومزيدا من التشويق والإثارة، بالإضافة إلى وجود جمال يوناني غريب. ومع ذلك، هناك مع كل ما لديها من الملح والجمال على محياها وعدم الأمان، عليها قهر الرجل الذي يعتبره الكثيرون فوق إمكانياتها الجمالية. إنه فيلم مضحك ومسل للغاية، ليس فقط بسبب جمال البطلة، بل بسبب الصدام بين الثقافتين اليونانية والأمريكية.

 

فيلم “فتيات الحلم”فيلم موسيقي ونوستالجي يعيد استكشاف الحياة المهنية لثلاث نساء سوداوات من سنوات ستينات القرن الماضي، من مكونات المجتمع الأمريكي، دور جينيفر هادسون، الذي فقدت فيه الكثير من وزنها بعد هذا الفيلم، بصوت مثير للإعجاب، حيث تسعى النساء الثلاث إلى تحقيق النجاح في مجتمع يعج بالميز العنصري وصراع الأقليات مع دفع تكاليف الشهرة. في الفيلم التركيز على موهبة المغنية وعطاءاتها دون النظر إلى بدانتها، وهي رسالة جميلة في الفيلم.

 

فيلم “مثبتات الشعر”، فيلم بمنطق مغاير حيث يتحول الممثل الشهير جون ترافولتا إلى سيدة مخنثة بدينة، وهنا كسر أفق المتوقع لدى المتفرج وخلق التشويق والإثارة عما سيحدث على اعتبار أن فقط البدينات من يستطعن أداء هذا الدور مع الاستفادة من شهرة الممثل جون ترافولتا.

 

لا تتوقف سينما البدينات في تحويل الرجال إلى نساء بدينات، بل بتحويل نساء نحيلات جدا إلى نساء بدينات بماكياج متقن وقصص خرافية تتخطى منطق العقل وبشكل مسل، تجني هوليود منه مزيدا من الأرباح والدعاية لأفكار في غاية الحساسية والخطورة تمزج فيها بين ما هو سياسي واقتصادي وفكري ودعائي من خلال انفتاح على ثقافة الجسد، ومن خلال كون الموهبة والأداء والاحترافية هي السبيل لكسب تعاطف المتفرج أينما كان.

 

تطرح سينما البدينات إشكالية كبيرة في التعريف في السينما العربية بين ثلاث تسميات: الغليظة والسمينة والبدينة. ولأنني رأيت أن في التسميتين الأولى والثانية كلمتين تحملان بعدا قدحيا، ارتأيت أن التسمية المناسبة هي “سينما البدينة”، خفيفة شيئا ما ولا تحمل تحقيرا أو استهجانا أو بعدا قدحيا للمرأة أو الرجل البدين.

 

وقد رسخت السينما المصرية منذ بداياتها فعل إشراك الممثل البدين، ذكرا أو أنثى، معتمدة على موهبة الممثلة/الممثل الأدائية وقدرتها التواصلية وتعاطف الجمهور معها من منطلق انجازاتها الفيلمية وحضورها الجماهيري.

 

وعلى مدار تاريخ السينما المصرية، تحضر العديد من الأسماء اللامعة والجميلة التي ميزت السينما المصرية، بل هناك أفلام لبطلات بدينات أنقدن هذه الأفلام وحققن نجاحات كبيرة. تعود الجمهور على الممثلة البدينة والممثل البدين في السينما المصرية قطع مع الأحكام المسبقة عن أن شخصية البدينة حمقاء ومضحكة ويمكن فقط توظيفها للسخرية، بل هي على قدر كبير من الذكاء والتواصل والمشاعر الجياشة.

 

في السينما المغربية حاول بعض المخرجين التعامل مع الممثلة البدينة، وتم إدراجها فقط في أدوار ثانوية مصطنعة وتصويرها على أنها فقط بلهاء تتمايل بمؤخرتها الضخمة، ولم يتم تحويل فكرة الممثلة البدينة إلى فكرة تمنحها بعدا إنسانيا داخل فضاءات الفيلم المغربي كما تعاملت السينما المصرية، وظلت فقط تتعامل معها على أنها شيء ثانوي/كومبارس للفرجة والضحك وملئ الفراغات داخل الفيلم، بل وإقحامها في بعض المشاهد جلبا لقهقهات الجمهور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.