مع كل انتخابات تقود إلى البرلمان، يصنع آل قيوح هناك في سوس العالمة الحدث، حيث تتوجه عدسات وسائل الإعلام إلى النسخة الجديدة لمرشحي العائلة، كما لو أن الأمر له علاقة بطرح نسخة جديدة، ليس من علامة تجارية لهاتف نقال، ولكن من حلقة من حلقات مسلسل «برلمان دار الورثة».

الرباط / خاص / جريدة le12.ma
‏* الصورة مولدة بمساعدة AI

في المغرب، هناك عائلات تتوارث الأراضي، وأخرى تتوارث التجارة، وثالثة تتوارث وصفات الكسكس والحريرة… لكن هناك عائلات اكتشفت أن أجمل ما يمكن أن يورَّث للأبناء والأحفاد هو المقعد البرلماني.

في سوس ماسة، يبدو أن شجرة العائلة السياسية عند آل قيوح قد بلغت مرحلة جديدة من الإثمار.

فالجد، الحاج علي قيوح، الذي ارتبط اسمه لسنوات طويلة بالبرلمان وبحزب الاستقلال، رحل سنة 2022، بعدما قضى عقوداً في الحياة السياسية والانتخابية.

وبعده استمر اسم العائلة في المؤسسة التشريعية من خلال ابنه عبد الصمد قيوح، الذي سبق أن تحمل حقيبة الصناعة التقليدية في حكومة بنكيران، ويشغل اليوم منصب وزير النقل واللوجستيك.

كما حضرت ابنته زينب قيوح في المشهد السياسي والبرلماني، وتشغل حالياً منصب نائبة رئيس مجلس جهة سوس ماسة.

وتؤكد سجلات مجلس النواب أنها دخلت المؤسسة التشريعية أيضاً في سياق شغور المقعد الذي كان يشغله والدها.

إلى هنا، يمكن للمرء أن يقول قولة المعلق الرياضي عصام الشوالي الشهيرة مع التصرف: ‏”الأمور كانت ماشية.. الأمور هانية.. الأمور عشرة على عشرة.. فريق مسيطر.. عبد الصمد قيوح يعمل في تفوق هجومي وشقيقته زينت تعاون في وسط الميدان.. قالو مخو أي نزار بركة، دخل كنزة قيوح.. دخل كنزة كنزة.. باش يطلع عبد الصمد قيوح وأخته زينب قيوح وابنتها كنزة قيوح.. كلهم إلى برلمان دار الورثة..”.

فالسياسة، مثلها مثل أي مهنة أخرى، يمكن أن تنتقل فيها الخبرة من جيل إلى جيل.. والابن قد يتعلم من الأب، والبنت قد تتأثر بتجربة الأم، والحفيد قد يرث حب السياسة كما يرث لون العينين.

لكن الحكاية تصبح أكثر إثارة عندما يصل قطار التزكيات إلى المحطة الثالثة.

فقد اختار حزب الاستقلال، استعداداً للاستحقاقات التشريعية المقبلة، كنزة قيوح، ابنة زينب قيوح، وكيلة للائحته الجهوية للنساء بجهة سوس ماسة.

وبذلك أصبحت الصورة العائلية مكتملة تقريباً: جد كان برلمانياً، ابن برلماني ووزير، ابنة برلمانية وعضو في مؤسسات الجهة، وحفيدة تطرق الآن باب البرلمان.

هنا فقط يحق للمواطن أن يضع نظارته فوق أرنبة أنفه ويسأل: هل نحن أمام انتخابات أم أمام عملية تسليم مفاتيح؟.

طبعاً، لا أحد يقول إن المقعد البرلماني أصبح ملكاً عائلياً. حاشا!.

فالمقعد ملك للشعب، والترشيح قرار حزبي، والانتخابات هي التي تحسم، والناخب هو صاحب الكلمة الأخيرة.

لكن يبدو أن هناك بعض العائلات التي تمتلك، بالإضافة إلى شجرة النسب، شجرة انتخابية أيضاً.

شجرة جذورها في تارودانت، وأغصانها في مجلس النواب، وأوراقها في المجالس المنتخبة، وثمرتها الأخيرة اسمها كنزة.

والجميل في الأمر أن الحزب يقدم هذا الاختيار باعتباره رهاناً على الشباب والمرأة وتجديد النخب.

يا سلام !!

وهنا لا بد من التصفيق.

فمن قال إن تجديد النخب يعني بالضرورة تغيير العائلات؟.

يمكن ببساطة أن نُبقي على العائلة ونغيّر فقط اسم الجيل!.

بدل «علي قيوح»، لدينا «عبد الصمد قيوح».

وبدل عبد الصمد، لدينا زينب.

وبدل زينب، جاءت كنزة.

وهكذا يصبح مفهوم «التجديد» في نسخته المغربية شبيهاً بتحديث الهاتف: نفس العلامة التجارية، لكن بإصدار أحدث.

ولكي نكون منصفين، فإن كنزة قيوح لا تتحمل مسؤولية تاريخ عائلتها، كما أن حمل اسم عائلة سياسية ليس جريمة انتخابية.

ومن حقها أن تدخل السياسة وأن تقدم نفسها للناخبين، ومن حق الحزب أن يختارها، ومن حق المواطنين أن يصوتوا لها أو لا يصوتوا.

السؤال الحقيقي ليس: لماذا كنزة؟

بل: “لماذا تبدو السياسة المغربية عاجزة عن إقناعنا بأن الاختيار تم على أساس الكفاءة وحدها، وليس على أساس الاسم أيضاً؟”.

فحين يظهر اسم عائلي واحد باستمرار في نفس الحقل السياسي، يصبح من الطبيعي أن يطرح المواطن سؤالاً بسيطاً جداً: هل نحن أمام تكافؤ في الفرص، أم أمام تكافؤ في فرص أبناء العائلات السياسية فقط؟.

والمفارقة أن حزب الاستقلال نفسه، الذي يتحدث عن التجديد، وجد نفسه أمام صورة تكاد تصلح لغلاف ألبوم عائلي:

«آل قيوح في البرلمان.. الجزء الثالث».

الجد في النسخة الأولى.

الابن في النسخة الثانية.

والحفيدة في النسخة الثالثة.

أما النسخة الرابعة، فلا ندري هل ستكون للابن القادم أم لحفيد آخر.

والأهم من كل ذلك أن المواطن مطالب، في كل مرة، بأن يصدق أن الأمر مجرد صدفة انتخابية بريئة.

صدفة أن الجد كان برلمانياً.

وصدفة أن الابن صار برلمانياً ووزيراً.

وصدفة أن الابنة دخلت البرلمان والمجلس الجهوي.

وصدفة أن الحفيدة أصبحت اليوم على رأس اللائحة الجهوية.

إنها، بلا شك، أطول سلسلة من الصدف السياسية في تاريخ سوس ماسة.

لكن لنترك «الضحك» جانباً. ونعود إلى المعقول آ دادا.

المشكلة ليست في أن يكون المرشح ابن سياسي أو ابنة سياسية أو حفيد شخصية سياسية.

المشكلة تبدأ عندما يتحول الاسم العائلي إلى جواز مرور سياسي، وعندما يصبح الانتماء إلى عائلة معروفة أهم من إثبات الذات أمام الناخب.

فالبرلمان ليس «دار الورثة»، والحزب ليس دفتر الحالة المدنية، والانتخابات ليست عملية تسليم وتسلم بين أفراد العائلة.

البرلمان مؤسسة عمومية، والمقعد الانتخابي ليس إرثاً شرعياً ينتقل من الأب إلى الابن ثم إلى الحفيدة.

والحزب، مهما كانت قوته التاريخية، يفترض أن يكون مدرسة لإنتاج الكفاءات، لا وكالة لحجز المقاعد باسم العائلات.

أما المواطن، فليس مطلوباً منه أن يحضر حفل تسليم الإرث السياسي بالتصفيق.

بل مطلوب منه أن يسأل: ماذا ستقدم هذه الوجوه للمنطقة؟ ما برنامجها؟ ما حصيلتها؟ ما الذي يميزها عن غيرها، بعيداً عن اسم العائلة؟..

فإذا كانت الإجابة مقنعة، فليكن التصويت.

وإذا لم تكن، فليكن الحساب في الصندوق.

لأن الناخب في النهاية قد يقبل أن يرث الأبناء حب السياسة من الآباء، لكنه ليس ملزماً بأن يرثوا منهم أصوات الناخبين.

وهنا بالضبط يكمن الفرق بين الإرث العائلي والإرادة الشعبية.

الأول ينتقل بالدم.

أما الثاني، فلا ينتقل إلا بالصندوق.

وإلى أن يحين موعد الانتخابات، يمكن لعائلة قيوح أن تضيف صورة جديدة إلى ألبومها السياسي.

لكن يبقى السؤال معلقاً فوق الصورة: “هل وصلت العائلة إلى البرلمان لأن السياسة أصبحت مهنة عائلية.. أم لأن الناخبين، جيلاً بعد جيل، ما زالوا يرون في الاسم نفسه ما يستحق التصويت؟”.

الجواب هذه المرة لن يكون في شجرة العائلة.

سيكون في صناديق الاقتراع.

لما كان الأمر والحالة هاته، لا يمكننا أن نساءل الأمين العام لحزب الاستقلال، قائلين بصوت عال: «وا بركة.. واش عندك شي ما يُݣال؟ .

في انتظار الجواب الذي قد يأتي وقد لا يأتي وذلك هو المرجح.. نستغل ذكر طيب الذكر في هذا المقال الحاج علي قيوح، لندعوا له بالرحمة والمغفرة .

إيوا قولوا آمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *