رغم محاولات حزب العدالة والتنمية تقديم نفسه كقوة سياسية استعادت توازنها بعد نكسة انتخابات 2021، فإن نتائج الانتخابات الجزئية الأخيرة توحي بأن الحزب ما يزال يواجه صعوبات كبيرة في استرجاع قاعدته الانتخابية التقليدية، خصوصاً بالعالم القروي وشبه الحضري.

*علي بنشريف

تطرح النتائج التي حققها حزب التجمع الوطني للأحرار في الانتخابات الجزئية الأخيرة، بعدد من الجماعات والأقاليم، أسئلة سياسية حقيقية حول مستقبل حزب العدالة والتنمية وقدرته على استعادة موقعه الانتخابي خلال الاستحقاقات التشريعية المقبلة، خاصة في ظل استمرار الفارق الكبير بين حضوره السياسي والإعلامي وبين قوته الفعلية داخل صناديق الاقتراع.

فالنتائج المسجلة في أقاليم القنيطرة والخميسات وتيزنيت وسيدي إفني، تعكس، وفق متابعين، استمرار الدينامية الانتخابية لحزب الأحرار، مقابل عجز واضح لحزب العدالة والتنمية عن ترجمة عودته التنظيمية والخطابية إلى مكاسب ميدانية ملموسة.

هزائم قاسية بأرقام صادمة

في جماعة المكرن بإقليم القنيطرة، حقق حزب التجمع الوطني للأحرار فوزاً مريحاً في دائرتين انتخابيتين، بعدما حصل على 178 صوتاً مقابل 3 أصوات فقط لحزب العدالة والتنمية في الدائرة الأولى، و205 أصوات مقابل 55 صوتاً في الدائرة الثانية.

أما بإقليم الخميسات، وتحديداً بجماعة الكنزرة، فقد كانت النتيجة أكثر قسوة على حزب المصباح، بعدما لم يحصل مرشحه سوى على 5 أصوات فقط، مقابل 279 صوتاً لمرشح الأحرار.

وفي إقليم تيزنيت، واصل حزب التجمع اكتساحه لعدد من الدوائر بجماعات أربعاء الساحل والركادة وأيت إسافن واثنين أداي، متفوقاً على منافسين من أحزاب مختلفة، من بينها الأصالة والمعاصرة والتقدم والاشتراكية، في مؤشر على استمرار حضوره التنظيمي القوي محلياً.

كما تمكن الحزب نفسه من الفوز في جماعة سيدي عبد الله أوبلعيد بإقليم سيدي إفني، بعدما حصل على 76 صوتاً مقابل 36 لحزب الأصالة والمعاصرة.

هل أخطأ العدالة والتنمية في قراءة عودته؟

رغم محاولات حزب العدالة والتنمية تقديم نفسه كقوة سياسية استعادت توازنها بعد نكسة انتخابات 2021، فإن نتائج الانتخابات الجزئية الأخيرة توحي بأن الحزب ما يزال يواجه صعوبات كبيرة في استرجاع قاعدته الانتخابية التقليدية، خصوصاً بالعالم القروي وشبه الحضري.

وتبرز هذه المؤشرات في وقت يواصل فيه الحزب، بقيادة عبد الإله ابن كيران، رفع سقف خطابه السياسي وانتقاد الحكومة بشكل متواصل، مع التركيز على قضايا الغلاء والدعم الاجتماعي والحريات، وهي الملفات التي يراهن عليها لاستعادة جزء من شعبيته السابقة.

غير أن المعطيات الميدانية توحي، بحسب متابعين، بأن الخطاب السياسي وحده لم يعد كافياً لاسترجاع الثقة الانتخابية، في ظل التحولات التي شهدها المشهد الحزبي المغربي خلال السنوات الأخيرة.

الأحرار واستراتيجية التموقع المحلي

في المقابل، يبدو أن حزب التجمع الوطني للأحرار يواصل الاستفادة من موقعه على رأس الحكومة، ومن شبكاته التنظيمية المحلية، إضافة إلى حضوره القوي في الجماعات الترابية، وهو ما انعكس بوضوح على نتائج الانتخابات الجزئية الأخيرة.

ويرى متابعون أن الحزب يقود منذ أشهر عملية “تثبيت انتخابي” استعداداً للاستحقاقات التشريعية المقبلة، عبر تقوية حضوره الميداني واستثمار نتائج التدبير الحكومي في عدد من الملفات الاجتماعية والاقتصادية.

كما أن استمرار الأحرار في حصد المقاعد الجزئية يمنحه، سياسياً، صورة الحزب الأكثر جاهزية انتخابياً، مقارنة بأحزاب ما تزال تبحث عن إعادة بناء قواعدها التنظيمية، وعلى رأسها العدالة والتنمية.

بين المعارضة والصندوق

ورغم أن الانتخابات الجزئية لا يمكن اعتبارها مؤشراً حاسماً على نتائج الانتخابات التشريعية المقبلة، فإنها تمنح إشارات أولية مهمة بشأن المزاج الانتخابي المحلي، خاصة أنها تجرى في ظروف تنافسية محدودة ومباشرة.

وبالنسبة لحزب العدالة والتنمية، فإن التحدي الأكبر لا يتعلق فقط باستعادة الخطاب المعارض، بل بقدرته على إعادة بناء الثقة التنظيمية والميدانية، واسترجاع شبكة المنتخبين المحليين التي فقد جزءاً كبيراً منها بعد انتخابات 2021.

أما حزب الأحرار، فيبدو إلى حدود اللحظة في وضع مريح انتخابياً، مستفيداً من ضعف خصومه أكثر من قوة المعارضة، وهو معطى قد يمنحه أفضلية واضحة مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *