خلق موضوع الأغنام في الآونة الأخيرة جدلا ونقاشا واسعا عبر منصات التواصل الاجتماعي والعديد من المنابر الإعلامية، غير أن الملاحظ في معظم هذه النقاشات أنها انطلقت إما من تعبيرات انفعالية عفوية، أو من خلال حملات تجييش موجهة عبر مواقع التواصل الاجتماعي لخدمة أجندات سياسية وانتخابية مكشوفة، خاصة وأن مناسبة عيد الأضحى تأتي هذه السنة قبل أسابيع قليلة من الاستحقاقات الانتخابية.

لكن مقاربة هذا الموضوع بالذات تحتاج إلى الكثير من الرزانة والهدوء، كما تحتاج إلى إخراجه من دائرة النقاش السياسوي الضيق نحو نقاش أكثر موضوعية ومسؤولية. على اعتبار أن هذا الملف تتداخل فيه مجموعة من العوامل المتعددة والمركبة والمعقدة، والتي لا يمكن مقاربتها بتحليل سطحي متسرع، ولا بمزايدات ذات هاجس انتخابي متهافت، أو من خلال ردود أفعال منفعلة ومتوترة.

عودة لأسباب الأزمة 

في البداية، لا بد من التوقف عند ثلاثة عوامل أساسية لا يمكن تجاهلها أو القفز عليها، بالنظر إلى تأثيرها العميق والمباشر على وضعية القطيع الوطني للماشية منذ 2020.

أولا، لا بد من التذكير بتداعيات جائحة كورونا وما رافقها من حجر صحي وتوقف للدورة الاقتصادية، حيث وجد عدد كبير من “الكسابة” خاصة الصغار منهم، أنفسهم تحت ضغط مالي خانق، ما اضطرهم إلى بيع جزء كبير من قطيعهم من أجل توفير السيولة المالية وتغطية المصاريف اليومية في تلك الفترة، بل إن العديد منهم اضْطُرَّ إلى ذبح إناث الأغنام والأبقار، وهي العمود الفقري لأي قطيع باعتبارها أساس التوالد والتجدد الطبيعي، وهو ما أضعف القدرة الذاتية للقطيع الوطني على إعادة تكوين نفسه خلال السنوات اللاحقة.

ثانيا، ينبغي استحضار تأثير سبع سنوات متتالية من الجفاف على القطيع الوطني، وهو وضع استثنائي قاس وصعب أثر بشكل مباشر على الكلأ والموارد المائية، وأدى إلى ارتفاع كبير في كلفة الإنتاج الحيواني، حيث بات “الكسابة” يعتمدون بشكل شبه كلي على شراء الأعلاف بدل الاعتماد على الرعي، وهو ما فرض ضغطا ماليا غير مسبوق على تكلفة تربية الأغنام.

ثالثا، ينبغي الإشارة إلى أن هذه الأعلاف المركبة، التي أصبح “الكسابة” يعتمدون عليها بشكل متزايد بفعل توالي سنوات الجفاف، ولا سيما الذرة والشعير والصويا، عرفت أسعارها مستويات مرتفعة وغير مسبوقة نتيجة الاضطرابات الحادة التي شهدتها سلاسل التوريد العالمية في أعقاب الجائحة، وما تلاها من تداعيات مرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية.

كل هذه العوامل مجتمعة أدت إلى تراجع كبير في القطيع الوطني، كما دفعت العديد من “الكسابة” إما إلى التخلي نهائيا عن تربية المواشي، أو إلى الهجرة نحو المدن، وهو ما ساهم في تقلص أعداد الرعاة التقليديين وفقدان اليد العاملة المرتبطة بالرعي والتنقل الموسمي، كما أدى ذلك إلى تفكك جزء مهم من الاقتصاد الرعوي الأسري .

تدخل الحكومة لإنقاذ القطيع من الانهيار 

أمام هذا الوضع الصعب كان أمام الحكومة خياران، إما ترك “الكساب” يواجه مصيره، بما يعنيه ذلك من انهيار كامل للقطيع الوطني وبلوغ الأسعار مستويات غير مسبوقة، أو التدخل لتقليص التداعيات السلبية وحماية القطيع الوطني من الانهيار.

ومن هذا المنطلق، بادرت الحكومة خلال سنة 2023 إلى تخصيص دعم استثنائي للأعلاف في ذروة الأزمة العالمية، من أجل مساعدة “الكسابة” على الصمود في مواجهة غلاء الأعلاف المستوردة.

كما بادرت خلال سنتي 2023 و2024، إلى دعم استيراد الأغنام من الخارج بغلاف مالي بلغ حوالي 437 مليون درهم لا أقل ولا أكثر، بهدف حماية القطيع الوطني و ضخ عرض إضافي في السوق وتوفير عدد كاف من رؤوس الأغنام الموجهة للذبح خلال عيد الأضحى.

وهنا لا بد من التوضيح، تعقيبا على اللغط والصخب اللذين رافقا هذا الملف، أن عملية الاستيراد كانت مؤطرة بمنظومة دقيقة من الشروط والإجراءات القانونية والتنظيمية، ولم تكن عملية سرية تتم تحت الطاولة كما سعى البعض إلى تصويرها. بل كانت مفتوحة أمام جميع الراغبين في الاستفادة، حيث عبر 247 مستوردا عن رغبتهم في المشاركة، قبل أن يتم انتقاء 153 مستوردا ممن استوفوا الشروط المطلوبة، في حين لم يصدر أي اعتراض أو طعن من طرف الذين لم يتم انتقاؤهم.

في المقابل، لنا أن نتخيل مستوى الأسعار الذي كان من الممكن أن تبلغه الأغنام خلال موسمي العيد في تلك الفترة لولا هذه الإجراءات الاستباقية، التي مكنت من استيراد حوالي 875 ألف رأس، منها 386 ألف رأس سنة 2023 و489 ألف رأس سنة 2024. حيث ساهم هذا الاستيراد بشكل مباشر في التخفيف من حدة الضغط على السوق، وفي الحفاظ على قدر من التوازن بين العرض والطلب. 

وفي سنة 2025، أصدر جلالة الملك توجيهاته السامية لإطلاق برنامج وطني لإعادة تكوين القطيع الوطني، رصدت له الحكومة غلاف مالي يناهز 12.8 مليار درهم، وهو برنامج استراتيجي يسعى لإعادة بناء المنظومة الحيوانية الوطنية على أسس أكثر صلابة واستدامة، تحت إشراف السلطات المحلية التابعة لوزارة الداخلية وبتنسيق مؤسساتي واسع.

والحقيقة التي ينبغي قولها بوضوح هي أن هذه التدخلات، ورغم أنها لم تُنه الأزمة بشكل كامل، إلا أن حالت دون تفاقمها ومنعت وقوع الأسوأ، إذ جنبت القطيع الوطني كارثة الانهيار، وتفاقم حدة الخصاص في العرض وارتفاع الأسعار لتتجاوز سقف ال 200 أو 250 درهما للكيلوغرام الواحد.

ركوب “تجار الدين” على أزمة “القطيع”

في ظل هذه الأزمة المركبة والمتشابكة، عمد ما تبقى من قيادات “البيجيدي” إلى توظيف الملف سياسيا وانتخابيا، عبر حملات ممنهجة سعت إلى تضخيم أرقام الدعم وتقديمها بصورة مضللة، في محاولة لتأجيج الرأي العام وصناعة حالة من السخط المجتمعي. وذلك في سياق أطروحة “فزاعة الصفقات” التي بات الحزب يعتمدها بعدما فقد القدرة على تقديم مشروع سياسي قادر على استعادة ثقة المواطنين بعدما لفظه الناخبون في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة.

وقد كانت البداية مع “الأزمي” المتخصص في ترويج الخطاب المأزوم داخل الحزب، من خلال الترويج للرقم المغلوط المتمثل في 13 مليار درهم، عبر احتساب الرسوم الجمركية على أنها “دعم مباشر”، رغم أنها لم تكن تدر أصلا أي مداخيل على خزينة الدولة منذ الاستقلال إلى اليوم، إذ لم يكن أحد ليتحمل أداء رسوم تصل إلى 200 في المائة على كل رأس مستورد، أي ما يعادل ضعف سعر المنتوج، لولا تعليقها بشكل مؤقت. 

والحال أن الدولة كانت تعتمد هذه الرسوم أساسا لحماية القطيع الوطني من المنافسة الخارجية، غير أن تجار الدين، الذين يبدو أنهم أحق بتسمية “الفراقشية” أو بتعبير آخر “فراقشية الدين” بالنظر إلى مسارهم الطويل في المتاجرة بالدين وتوظيفه لأغراض سياسية وانتخابية ضيقة، عمدوا إلى استغلال هذا المعطى عبر ترويج الأكاذيب وتضخيم الأرقام بهدف تضليل الرأي العام وتغليطه. ومن هنا انطلقت عملية التضليل ليخرج بعدها بوانو برقم 61 مليار درهم في كتابه “للقطيع”، وليتواصل موسم “الركمجة” بعد ذلك مع نبيل بنعبد الله وأوزين، وكل من وجد في هذا الملف فرصة لترقيع بكرته السياسية أو تعزيز رصيده الانتخابي المتواضع.

حملات تجييش مشبوهة انتهت بهشتاغ “خليه يبع بع” التي أربكت الأسواق

لكن، وقبل أسابيع من العيد انطلقت حملة منظمة وممنهجة، كانت بدايتها عبر مجلة مجهولة التمويل والأهداف، حيث عمدت إلى الترويج لرقم خيالي يصل إلى 76 مليار درهم ! عبر الخلط المتعمد بين الرسوم الجبائية “الافتراضية” ومختلف أصناف الدعم العمومي، بما فيها تلك المتعلقة بدعم القمح المستعمل في الخبز ودعم النقل العمومي من حافلات النقل المدرسي وسيارات الأجرة وعربات النقل السياحي، وكأن الأغنام كانت تنقل خلال السنوات الماضية في مختلف وسائل النقل العمومي. والغاية في ذلك كانت تتمثل في تضخيم الأرقام إلى أقصى درجة ممكنة، من أجل خلق حالة من التهويل والارتباك والتشويش المقصود على الرأي العام أيام قليلة قبل العيد.

وبالموازاة مع هذا التضخيم الإعلامي، انطلقت عبر مواقع التواصل الاجتماعي حملات تحريض وتجييش منظمة، اعتمدت خطاب التخويف والإثارة والدعوة إلى المقاطعة، وسعت إلى خلق حالة من الشك والارتباك داخل السوق تحت شعار “خليه يبعبع”. الأمر الذي دفع عددا من الأسر إلى تأجيل اقتناء الأضحية إلى الأيام الأخيرة قبل العيد، ما أدى إلى تركز الطلب بشكل مكثف خلال الأيام الثلاثة التي تسبق المناسبة، وهو ما شكل ضغطا كبيرا ومفاجئا على السوق، وأسهم في إرباك التوازن بين العرض والطلب ورفع الأسعار في عدد من الأسواق.

استغلال الموضوع سياسيا لانتقاد رئيس الحكومة 

وفي خضم هذه الحملة، انبرت مجموعة من الأطراف التي حاولت استغلال الموضوع لتصفية حساباتها الانتخابية والسياسية مع رئيس الحكومة، عبر اتهامه بالفشل في تدبير القطاع، والحال أن الرجل نجح بشكل كبير في الملف خلال تحمله مسؤولية وزارة الفلاحة، حيث تمكن على امتداد أزيد من عشر سنوات، من تحقيق قفزة نوعية في عدد القطيع الوطني من الأبقار، الذي انتقل من حوالي 2.8 مليون رأس سنة 2008 إلى أكثر من 3.4 مليون رأس سنة 2019، أي بنسبة تطور بلغت 22 في المائة.

وينطبق الأمر نفسه على قطيع الأغنام، الذي عرف بدوره نموا متواصلا خلال السنوات، حيث انتقل من حوالي 17.1 مليون رأس سنة 2008 إلى أكثر من 22.4 مليون رأس سنة 2021، أي بنسبة تطور بلغت 31 في المائة. ويتذكر المغاربة جميعا وفرة الأغنام واللحوم بأسعار في المتناول خلال فترة تدبير عزيز أخنوش لوزراة الفلاحة، وذلك قبل أن تحل الأزمات الثلاث التي أنهكت القطاع بشكل غير مسبوق منذ سنة 2020.

هل من مصلحة الحكومة أن تغلط الرأي العام بشأن العدد الحقيقي للأغنام؟

من جهة ثانية، سعت بعض الأطراف إلى الترويج لادعاء مفاده أن الحكومة ضللت المواطنين بشأن عدد الأغنام وأخفت الأرقام الحقيقية المرتبطة بالقطيع الوطني، غير أن تفنيد هذا الادعاء لا يحتاج إلا إلى طرح سؤال بسيط، وإن بدا للبعض ساذجا، وهو ما الذي يمكن أن تجنيه الحكومة من تقديم معطيات غير صحيحة في ملف بهذه الدرجة من الحساسية؟ وما المكسب الذي قد تحققه من تضليل الرأي العام بشأن أعداد الأغنام؟ وما العائد السياسي أو الانتخابي أو المالي الذي يمكن أن تستفيده من ذلك؟ أكيد لا شيء… لكن هذه الأسئلة كافية لإبراز هشاشة الانتقاد الذي يقوم على الانفعال أو التهييج أكثر مما يستند إلى الوقائع والمعطيات الدقيقة أو إلى قراءة عقلانية ومنطقية للأحداث.

كما يمكن التساؤل من جهة ثانية، ردا على ما جرى الترويج له من أن “الكساب” الكبير والمتوسط عمد إلى حجب أعداد كبيرة من الأغنام عن السوق قبل العيد، هل توجد فترة أنسب من الأيام الثلاثة التي سبقت العيد لبيع الأغنام بأفضل الأثمان الممكنة؟ وهل من المنطقي أن يفوت “الكساب” فرصة الاستفادة من هذه اللحظة الاستثنائية، خاصة في ظل الضغط الكبير الذي عرفته الأسواق خلال تلك الفترة، بعدما دفعت حملة “خليه يبعع” عددا من الأسر إلى تأجيل قرار اقتناء الأضحية إلى الساعات الأخيرة، وهو ما أدى إلى تركز الطلب بشكل غير مسبوق في فترة زمنية قصيرة؟

وذلك علما أن بيع الخروف خلال هذه الفترة يكون في الغالب، أكثر ربحية من بيعه لاحقا كلحم، سواء للجزارين أو للمحلات التجارية، ومن ثم فإن أبسط قواعد العرض والطلب تفيد بأن مصلحة “الكساب” تتجه نحو تسويق أغنامه خلال موسم العيد والاستفادة من ارتفاع الأسعار، لا إلى الاحتفاظ بها أو تأخير بيعها إلى مرحلة يتراجع فيها الطلب وتنخفض معها هوامش الربح.

لكن بالموازاة مع ذلك، ينبغي الإشارة إلى أن نشر النتائج التفصيلية لعملية الترقيم من طرف الهيئة التي أشرفت ميدانيا على هذه العملية، والتي ظلت لسنوات المصدر الأساسي للمعطيات المرتبطة بعدد الأضاحي المرقمة ومدى وفرتها داخل الأسواق، مع تقديم معطيات دقيقة بحسب الجهات والأقاليم، والكشف عن العدد الإجمالي للرؤوس التي تم ترقيمها فعليا، من شأنه أن يساهم في توضيح حقيقة الوضع ووضع حد لحملات التضليل والتأويل السياسي، فضلا عن تعزيز الثقة في المعطيات الرسمية المرتبطة بملف يمس بشكل مباشر الأمن الغذائي للمغاربة.

دور وزارة التجارة في تنظيم الأسواق

من جهة أخرى، يبقى التساؤل مشروعا حول دور وزارة الصناعة والتجارة، التي يقودها رياض مزور في تنظيم وضبط الأسواق. ففي الوقت الذي بدت فيه مجموعة من الأطراف في واجهة تدبير هذا الملف ومواجهة تداعياته بشكل مباشر، كان من المنتظر أن تضطلع وزارة التجارة بدور أكبر في مواكبة الوضع، باعتبارها الجهة الحكومية المعنية بالسوق الداخلية، سواء من خلال التواصل المنتظم مع الرأي العام أو عبر تفعيل أدوات المراقبة والتقنين المتاحة لها، خاصة في ظرفية تستدعي مراجعة أوسع لآليات تنظيم الأسواق وتحيين الإطار القانوني المنظم لها.

وفي السياق نفسه، تطرح أكثر من علامة استفهام حول لجوء بعض المساحات التجارية الكبرى، منذ البداية إلى تحديد أسعار بيع تراوحت بين 81 و83 درهما للكيلوغرام، وهو ما ساهم عمليا في خلق سعر مرجعي سرعان ما التقطه الوسطاء والمضاربون واعتمدوه كأساس لتسعير الأغنام في مختلف الأسواق الشعبية، رغم أن حجم مبيعات هذه المساحات يظل محدودا مقارنة بحجم السوق الوطنية.

لذلك كان من الأجدر في مثل هذه الحالة، أن يتم التدخل بشكل استباقي للتنسيق مع هذه المؤسسات التجارية الكبرى من أجل ضبط الأسعار وتخفيضها، حتى لا تتحول إلى مؤشر يدفع بباقي الفاعلين نحو مزيد من الرفع غير المبرر للأسعار.

اختفاء الخروف الصغير وغلاء الخروف الكبير

من جهة ثانية، لاحظ مرتادو الأسواق هذا الموسم شبه غياب للخروف الصغير، أو ما يعرف بـ”سنان الحليب”، وهو معطى لا يمكن فصله عن التحولات التي شهدتها الظروف المناخية خلال الأشهر الأخيرة. فالتساقطات المطرية التي عرفتها عدة مناطق أعادت قدرا من التفاؤل إلى الوسط القروي، وشجعت عددا مهما من “الكسابة” على الاحتفاظ بالخراف الصغيرة بدل عرضها للبيع، بعدما أصبحت التوقعات تشير إلى تحسن نسبي في وفرة الكلأ خلال الموسم المقبل.

وفي هذا السياق، بات عدد من “الكسابة” يميلون إلى منطق اقتصادي قائم على الاستثمار في الموسم المقبل عوض بيع هذه الخراف خلال هذا العيد، إذ إن الخروف الصغير الذي كان يمكن تسويقه هذه السنة بثمن محدود نسبيا، قد تتضاعف قيمته بالنسبة إلى “الكساب” خلال الموسم المقبل، وهو ما يفسر إلى حد كبير ندرة هذا الصنف من الخراف داخل الأسواق.

وبالموازاة مع ذلك، هيمن الخروف الكبير على الأسواق، خصوصا ما يعرف بـ”الرباعي” و”السداسي”، وهي رؤوس احتفظ بها عدد من المربين منذ الموسم ما قبل الماضي، غير أن هذه الخرفان تحملت تكاليف مضاعفة على امتداد موسمين، بعدما تعذر تسويقها خلال عيد الأضحى الماضي، وهو ما انعكس بشكل طبيعي على أسعار البيع، وأسهم في تعزيز الانطباع العام بارتفاع الأسعار، رغم أن جزءا مهما من هذا الارتفاع يرتبط بتراكم كلفة الإنتاج أكثر مما يرتبط بمنطق المضاربة وحده.

بعيدا عن المزايدات…

في النهاية، يبقى موضوع “القطيع الوطني” أكبر من أن يختزل في حملات التهييج أو أن يتحول إلى مادة للمزايدات السياسية، كما يحاول اليوم “فراقشية-الدين”، أو الذين تحولوا فجأة بأموال مجهولة المصدر إلى “فراقشية-الإعلام”، أو بعض الأطراف التي ترى في مثل هذه الإشكالات فرصة للركوب السياسي أملا في تحقيق حلم المرتبة الأولى. ذلك أن هذا الملف، على غرار ملف السياسة المائية، لا يحتمل المزايدات، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالأمن الغذائي والسيادة الوطنية واستقرار العالم القروي، وما يرتبط بذلك من توازنات اجتماعية واقتصادية حساسة.

صحيح أن المواطن يلمس بشكل مباشر تداعيات هذه الإشكالات المعقدة والمتشابكة، التي أثرت بشكل أو بآخر على السوق وعلى قدرته الشرائية، غير أن معالجة مثل هذه الملفات لا تتم بالصراخ ولا بالشعارات الشعبوية، بقدر ما تحتاج إلى نقاش هادئ ومسؤول، يميز بين الاستغلال السياسي الرخيص والانتقاد المشروع، بعيدا عن خطابات التضليل التي تسعى إلى تحويل التحديات الموضوعية إلى وقود في سوق المزايدات.

لكن الأخطر من ذلك، هو محاولة البعض تصوير الوضع وكأننا نعيش في غابة أو في زمن “السيبة”، بلا مؤسسات ولا أجهزة للمراقبة والتتبع، ولا سلطة للقانون، في إطار خطاب يسعى من أجل خدمة حسابات انتخابية ضيقة و عابرة، إلى نشر ثقافة التشكيك والتيئيس، وضرب الثقة في المؤسسات ومصداقيتها برمتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *