في خطوة تواصلية تكسر الأنماط التقليدية في عرض الحصائل السياسية، اختار رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، منصات التواصل الاجتماعي الرسمية لتقديم الحصيلة الإجمالية لعمل فريقه الحكومي الممتد بين 2021 و2026.
وعبر شريط فيديو ترويجي مكثف وموجه مباشرة إلى المواطنين، استعرض رئيس الحكومة بلغة تجمع بين الدارجة المغربية المبسطة ولغة الأرقام الدقيقة، أثر الأوراش الملكية والبرامج الحكومية على المعيش اليومي للمغاربة، مؤكداً في مقدمته أن المواطن المغربي ليس بحاجة إلى خطابات ليعرف وضعه، بل هو الأقدر على لمس الأثر الحقيقي للعمل الحكومي في واقعه الملموس.
وجاءت الحصيلة لتؤكد الانتقال الفعلي للمملكة نحو ترسيخ دعائم الدولة الاجتماعية والسيادة الاقتصادية والمائية، مبرزةً المؤشرات الرقمية والقفزات النوعية التي تحققت في مختلف القطاعات الحيوية على مدى خمس سنوات من التدبير الحكومي.
ثورة الحماية الاجتماعية والدعم المباشر: حفظ كرامة ملايين الأسر
شكل ورش الحماية الاجتماعية، المنبثق عن الرؤية الملكية السديدة، العمود الفقري للحصيلة الحكومية المعروضة.
وأوضح رئيس الحكومة كيف تحول الخوف من المرض وتكاليف العلاج الباهظة إلى أمان صحي ملموس لملايين الحرفيين والعمال غير الأجراء والمواطنين في وضعية هشاشة.
ونجحت الحكومة في إدماج 14 مليون مواطن من العمال غير الأجراء وذوي الحقوق في نظام التغطية الصحية الإجبارية، بالإضافة إلى مأسسة نظام لامو الشامل وتنزيل نظام لامو التضامن الذي يضمن نفس الخدمات الطبية المجانية لأكثر من 11 مليون مستفيد من الفئات الأكثر هشاشة لضمان المساواة في الولوج للعلاج.
وفي تحول تاريخي لآليات التضامن الوطني، تم إطلاق برنامج موحد وشفاف ورقمي بالكامل يعتمد على الاستهداف المباشر عبر المنصة الرقمية دون تعقيدات إدارية أو وساطة بشرية.
يغطي هذا البرنامج حالياً 3.9 مليون أسرة مغربية تضم حوالي 12 مليون مواطن، حيث تتراوح التعويضات الشهرية المباشرة بين 500 درهم و1350 درهم.
وساهم هذا الورش في رفع عدد الأرامل المستفيدات من الدعم إلى 396 ألف أرملة مقارنة بـ180 ألفاً في السابق، كما شمل فئات كانت مقصية تاريخياً مثل الأطفال اليتامى والمهملين في دور الرعاية، فضلاً عن مليون ونصف مليون أسرة بدون أطفال من بينهم مليون مسن، مع تقديم دعم إضافي للأطفال في وضعية إعاقة، وإعانات مباشرة عن الولادة والدخول المدرسي شملت 3.4 مليون تلميذ.
إصلاح قطاع الصحة: مضاعفة الميزانية وتجاوز معايير منظمة الصحة العالمية
أكد رئيس الحكومة أن قطاع الصحة لم يكن بحاجة إلى مجرد ترميم جزئي، بل إلى حلول جذرية لمعالجة اختلالات عميقة متراكمة منذ عقود، وهو ما تمت ترجمته ميدانياً عبر استراتيجية متكاملة لتأهيل البنية التحتية وتعزيز الموارد البشرية.
تم الانتهاء بالكامل من إعادة بناء وتجهيز 1400 مركز صحي للقرب تسمى مستشفيات الأحياء، مع إطلاق برنامج جديد لتأهيل 1600 مركز إضافي متبقي لاستكمال التغطية الجغرافية الشاملة.
وفيما يخص المستشفيات الجامعية، انتقل المغرب من 5 مستشفيات جامعية عام 2021 إلى 8 مستشفيات جامعية حالياً بعد افتتاح مستشفيات طنجة وأكادير وقرب تدشين مستشفيات العيون والداخلة، في أفق تعميم مستشفى جامعي بكل جهة ليشمل كلميم والرشيدية وبني ملال، لتتجاوز الطاقة الاستيعابية الجديدة 8000 سرير.
ولمواجهة النقص المزمن في الأطر الطبية، تم تقليص سنوات دراسة الطب إلى 6 سنوات وفتح 4 كليات جديدة للطب والصيدلة، مما ضاعف عدد المقاعد بـ 2.3 مرة، وهو ما مكن من قفز معدل الأطر الصحية إلى 30 مهنياً لكل 10,000 نسمة في 2026 متجاوزاً الحد الأدنى لمنظمة الصحة العالمية المحددة في 23 لكل 10,000 نسمة بعد أن كان في حدود 17.4 عام 2021.
ورافق هذا الورش رد الاعتبار للأطر الطبية والتمريضية عبر رفع ملموس لأجور الأطباء يتراوح بين 2000 و3000 درهم شهرياً والممرضين والتقنيين بحدود 500 درهم، مدعوماً بمضاعفة ميزانية القطاع وتطوير الحكامة عبر المجموعات الصحية الترابية.
منظومة التعليم: مدارس الريادة وتصفية ملف “التعاقد”
بناءً على مشاورات وطنية موسعة شملت أزيد من 100 ألف مشارك من أساتذة وخبراء وأولياء تلاميذ، ركزت الحكومة على جودة التعلم داخل القسم ومحاربة الهدر المدرسي عبر حلول نسقية مبتكرة.
تم إدراج الطرق البيداغوجية الحديثة القائمة على التجريب والمعدات الرقمية والدعم المدرسي الاستدراكي المبكر وفق مقاربة المستوى المناسب طال في 4626 مؤسسة ابتدائية و786 مؤسسة إعدادية تحولت إلى مدارس الريادة، بهدف التعميم التام بحلول الدخول المدرسي 2027-2028.
ولقد واصلت الحكومة برنامج تعميم التعليم الأولي للأطفال بين 4 و6 سنوات لتصل النسبة إلى 80% في عام 2026 كقاعدة أساسية لضمان التكافؤ والنجاح الدراسي، بالموازاة مع بناء 788 مؤسسة تعليمية جديدة منها 472 بالوسط القروي لتقريب المدرسة من أبناء المداشر.
وفي خطوة شجاعة لضمان الاستقرار الاجتماعي والمهني لنساء ورجال التعليم، طوت الحكومة نهائياً ملف التعاقد الذي كان يهم أزيد من 336 ألف أستاذ وأستاذة، حيث أدمج الجميع في نظام أساسي موحد يضمن نفس الحقوق والواجبات، مع زيادة في الأجور بدأت بـ 1500 درهم شهرياً كحد أدنى وتصل إلى 5100 درهم كإضافات إجمالية مع التحفيزات وبلوغ الدرجات العليا، مما يساهم في استرجاع الثقة في المدرسة العمومية.
القدرة الشرائية والسكن: إجراءات استثنائية في ظل أزمات دولية
لمواجهة التضخم العالمي والتقلبات المناخية والجيوسياسية التي أثرت على الأسواق الدولية، عبأت الحكومة موارد مالية ضخمة لحماية جيب المواطن وتحسين مستواه المعيشي واستقرار الأسعار.
تم تخصيص 135.6 مليار درهم لصندوق المقاصة لدعم المواد الأساسية كالقمح وغاز البوتان والسكر، إلى جانب 17 مليار درهم لمنع ارتفاع أسعار الكهرباء على الأسر، وتقديم دعم مالي مستمر لمهنيي النقل لضمان عدم انعكاس الأسعار الدولية على تكلفة التنقل والسلع الأساسية بالأسواق الوطنية.
كما أطلقت الحكومة برنامجاً رائداً لتقديم دعم مالي مباشر للمقبلين على اقتناء السكن الرئيسي يتراوح بين 70 ألف و100 ألف درهم، استفاد منه حتى الآن أكثر من 96 ألف مواطن من المقيمين ومغاربة العالم في الوسطين الحضري والقروي.
ورافقت هذه التدابير زيادات تاريخية في الأجور عبر جولات الحوار الاجتماعي المسؤول والمنتظم، حيث تم رفع الحد الأدنى للأجر في القطاع الخاص بنسبة 20% وفي القطاع الفلاحي بنسبة 25%.
وإلى جانب ذلك، أقر زيادة عامة في أجور موظفي القطاع العام بقيمة 1000 درهم، ورفع الحد الأدنى للأجور بالوظيفية العمومية من 3258 درهم إلى 4500 درهم، مع مراجعة الشطر الضريبي على الدخل، ورفع أجور الأساتذة الباحثين بأزيد من 3000 درهم، وزيادة معاشات المتقاعدين بنسبة 5%.
ونتيجة لهذه الإجراءات المباشرة، ارتفع متوسط الدخل الصافي بالقطاع العام من 8237 درهم عام 2021 إلى 10,600 درهم عام 2026، مستهدفاً إجمالاً 4.25 مليون مواطن استفادوا من تحسين أجورهم.
السيادة المائية والانتعاش الاقتصادي: أرقام قياسية ومشاريع هيكلية
أمام توالي سنوات الجفاف واستنزاف الموارد المائية، بادرت الحكومة إلى تنزيل حلول مبتكرة واستباقية لضمان الأمن المائي والغذائي، حيث تم إنجاز مشروع تاريخي في ظرف 10 أشهر فقط تمثل في الطريق السيار المائي للربط بين حوضي سبو وأبي رقراق لتحويل فائض المياه وضمان الماء الصالح للشرب لقرابة 12 مليون نسمة، مع تسريع محطات تحلية مياه البحر بمجموعة من المناطق.
وبالموازاة مع الأوراش الاجتماعية، صعد الاستثمار العمومي من 230 مليار درهم في 2021 إلى 380 مليار درهم في 2026 لتشييد البنيات التحتية الكبرى والمستشفيات والمدارس والموانئ والمطارات والمناطق الصناعية.
كما أثمر إخراج ميثاق الاستثمار الجديد في جلب استثمارات استراتيجية خصوصاً في مجالات السيادة الطاقية والمائية والدوائية، وصادقت اللجنة الوطنية للاستثمارات على مشاريع ستخلق 245 ألف منصب شغل.
وساهمت الاستراتيجيات القطاعية في خلق 850 ألف منصب شغل غير فلاحي بين 2021 و2025 بمعدل 171 ألف منصب سنوياً وبفرق كبير عن السنوات الماضية.
وصعدت الصادرات الصناعية بأزيد من 44% ليصبح المغرب أول منتج للسيارات في القارة الإفريقية بقدرة إنتاجية تصل إلى مليون مركبة سنوياً.
وفي قطاع السياحة، نجح المخطط الاستعجالي وخارطة الطريق في إعادة القطاع إلى ريادته بقوة ليخلق 92 ألف منصب شغل في ثلاث سنوات، محققاً رقماً قياسياً غير مسبوق بانتقاله من 13 مليون سائح في 2019 قبل الجائحة إلى 19.8 مليون سائح في 2025 لأول مرة في التاريخ، مما انعش رواج الصناعة التقليدية التي نمت صادراتها بنسبة 56%.
وفي الفلاحة، تم توسيع المساحات المسقية بـ 246 ألف هكتار مع تقديم دعم مباشر للكسابة لإعادة تشكيل القطيع الوطني وتحقيق الصمود.
المؤشرات الماكرو-اقتصادية: صمود وثقة في المستقبل
أنهى رئيس الحكومة عرضه بتقديم أدلة رقمية تؤكد تماسك الاقتصاد الوطني وقدرته العالية على السيطرة على الأزمات الهيكلية بفضل القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس ونبوغ طاقات بلادنا ومكوناتها.
وتم تسجيل معدل نمو اقتصادي إيجابي بلغ 4.8% كمعدل مسجل في سنة 2025، وتراجعت نسبة التضخم بشكل قياسي من 6.6% في سنة 2022 إبان ذروة الأزمة الأوكرانية إلى حدود 0.8% في سنة 2025 أي أقل من 1%.
وبالمثل، نجحت التدابير المالية في خفض عجز الميزانية وتوجيهه نحو التعافي التدريجي المستدام، حيث تراجع العجز من 7.1% المسجلة في سنة 2020 إلى 3.5% فقط في سنة 2025.
واختتم رئيس الحكومة عرضه الرقمي الشامل بالتأكيد على أن هذه المؤشرات الإيجابية والخطوات الكبيرة لم تكن لتتحقق لولا التلاحم والجدية، معتبرًا الحصيلة لبنة متينة أساسية “لبناء مغاربة المستقبل” وتعزيز مصداقية المملكة على الساحة الدولية.
إدريس لكبيش/ Le12.ma
