في شوارع الدار البيضاء، معقل أبرز المركزيات النقابية، مر فاتح ماي هذه السنة بصوت خافت وحضور باهت، لا يعكس رمزية اليوم العالمي للعمال بقدر ما كشف عن تحول لافت في علاقة الشغيلة بهذا الموعد السنوي.

حضور قليل، وتجاوب بارد مع الشعارات المرفوعة، فيما فضل عدد كبير من العمال استغلال المناسبة كفرصة للراحة أو عطلة عادية، بعيدا عن أي انخراط في الأجواء الاحتفالية، حتى مع إنزال الكبير للقيادات السياسية للأحزاب في المنصات الاحتفالية للتنظيمات التي تشكل أذرعها النقابية.

هذا المشهد، الذي بات يتكرر في السنوات الأخيرة، يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى استمرار ارتباط الشغيلة بالاحتفالات العمالية، وحول ما إذا كانت هذه المناسبة قد فقدت جزءًا من بريقها التقليدي في الوعي الجماعي.

ففي الوقت الذي كانت فيه شوارع المدن الكبرى تعرف في السابق مسيرات واسعة ومشاركة وازنة، يبدو أن الزخم قد تراجع بشكل ملحوظ، لصالح حضور رمزي محدود لا يعكس حجم القاعدة العمالية المفترض تمثيلها.

هذا التراجع في التعبئة يوازيه، وفق ملاحظات ميدانية، فتور في التفاعل مع الخطاب النقابي، حيث لم يعد يجد الصدى نفسه لدى شرائح واسعة من الشغيلة، التي باتت تتعامل مع فاتح ماي باعتباره مناسبة عابرة أكثر منه محطة نضالية، مهما اختلفت أساليب العزف على أوتار القضايا التي تمسها مباشرة، من قبيل “غلاء المعيشة” و”تراجع القدرة الشرائية”.

وخلال المهرجانات الخطابية والمسيرات التي جابت أهم شوارع العاصمة الاقتصادية، رفعت النقابات شعارات تطالب بالرفع من المعاشات بما يتناسب مع كلفة المعيشة، بما من شأنه ضمان الحماية الاجتماعية والصحية للمتقاعدين، وصون كرامتهم وحقهم في العيش الكريم.

كما طالبت النقابات، التي همت على الخصوص الاتحاد المغربي للشغل، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والاتحاد العام للشغالين بالمغرب، والاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، والفدرالية الديمقراطية للشغل، برفع الأجور من أجل تعزيز القدرة الشرائية، سواء بالنسبة لموظفي القطاع العام أو أجراء القطاع الخاص، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار والتضخم والأزمات المفتوحة، والتحولات الجيوسياسية الكبرى التي تلقي بظلالها على الطبقة العاملة في المغرب كما في سائر البلدان.

واللافت في المشهد أن فئة عريضة ممن امتلأت بهم الشوارع التي مرت منها المسيرات، كانت بعيدة عن أجواء الاحتفال أو التفاعل مع الشعارات المرفوعة، فيما اكتفى البعض بالتفرج على العروض التي تتخلل مرور المواكب، دون مشاركة فعلية.

ويذهب عدد من المراقبين إلى أن هذا التحول يعكس أزمة ثقة متنامية، حيث لم يعد الخطاب النقابي مقنعا كما في السابق، في ظل شعور متزايد لدى فئات من العمال بأن مطالبهم لا تجد طريقها إلى التفعيل، وأن الوعود المرفوعة خلال مثل هذه المناسبات لا تترجم دائمًا إلى نتائج ملموسة.

وبين تراجع الحضور في الشارع، وتحول جزء من الشغيلة إلى متفرج أو غائب عن الفعل، يظهر أن فاتح ماي في الدار البيضاء هذا العام يفتح نقاشا أوسع حول موقع النقابات اليوم، ومدى قدرتها على استعادة ثقة القواعد العمالية وإحياء روح التعبئة التي ميزت هذه المناسبة لعقود، بعدما على ما يبدو دفعت ضريبة ولائها الحزبي؟.

عادل الشاوي/ Le12.ma

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *