لم يكن ليل البيضاء أمس يشبه بقية الليالي، فمنذ الساعة السابعة والنصف من مساء يوم الجمعة 15 ماي، بدأت الطوابير تتشكل وتتمدد أمام القاعة المغطاة لمركب محمد الخامس.
وكان القاسم المشترك بين الحشود هو ذلك الشغف الدفين لعيش تجربة استثنائية فريدة. وعند المدخل الرئيسي، تصدرت المشهد صورة عملاقة لـ “العندليب الأسمر”، خُطت أسفلها بالإنجليزية عبارة بسيطة لكنها كانت كافية لإشعال فتيل الحنين في قلوب الحاضرين: “The Legend Returns” أو “الأسطورة تعود”.
ساعة من الانتظار.. ثم يولد السحر
رغم الحماس الكبير، لم يخلُ الحفل من بعض الهفوات التنظيمية، إذ تأخر انطلاق العرض لقرابة ساعة كاملة، مما سمح للتوجس والضجر بالتسلل شيئا فشيئا إلى نفوس الجماهير داخل القاعة.
لكن، ما إن انطفأت الأنوار وصعد الجوق الموسيقي لتبدأ النغمات الأولى، حتى تغير كل شيء وتبدد كل ذلك التوتر دفعة واحدة ليحل محله ذهول جماعي.
وفي تلك اللحظة الفارقة، امتزجت قوة الحنين بأحدث تقنيات العصر، وظهر عبد الحليم حافظ وسط المسرح. لم يكن الأمر مجرد استعادة لصوت غيبه الموت، بل عاد الراحل بصورته، بحركاته الشهيرة، وبتفاصيل جسده وسط الجوق الموسيقي.
ما شهده الجمهور أمس تجاوز المفهوم التقليدي لعروض “الهولوغرام”، بل كان محاولة حقيقية لإعادة بعث زمن فني كامل بكل ما يحمله من ذكريات وصور ونوستالجيا.
حوار الأجيال في حضرة “العندليب”
ولعل المشهد الأكثر إثارة للدهشة في جنبات مركب محمد الخامس كان ذلك التلاحم والامتزاج الفريد بين الأجيال المختلفة.
فقد ضم الحفل جيلاً عاش زمن عبد الحليم وحمل أغانيه في ذاكرته كجزء من شبابه، إلى جانب جيل آخر من الشباب واليافعين الذين ولدوا بعد رحيل العندليب بعقود طويلة، ومع ذلك كان الجميع يقفون جنباً إلى جنب ويرددون روائعه الخالدة عن ظهر قلب وبانسجام تام.
خلف كواليس التكنولوجيا
ورغم النجاح الجماهيري الذي تحقق، كشفت كواليس الحفل عن بعض التحديات والحدود التقنية التي رافقت هذا العرض الطموح.
وبالرغم من أن الجهة المنظمة سوّقت للحفل خلال مراحل الترويج باعتباره عرضاً “تفاعلياً” (Interactive)، إلا أن هذا التفاعل في أرض الواقع ظل محدوداً ومحصوراً في حدود غناء الجمهور الجماعي والتصفيق، دون وجود تفاعل حي فعلي ومباشر مع الفنان الهولوغرامي.
ولم يكن بمقدور الحاضرين، على سبيل المثال، طلب أغنية معينة مثل “حاوِل تفتكرني” ليستجيب لها الفنان ويغنيها فوراً كما يحدث في الحفلات التقليدية، وذلك لأن العرض كان محكوماً ومبنياً على برنامج رقمي ثابت ومعدّ سلفاً لا يقبل الارتجال الفوري.
كما بدا واضحاً أن عامل الوقت فرض شروطه الصارمة على بعض الفقرات، حيث تم اختصار أجزاء من الأغاني الطويلة للحفاظ على الإيقاع العام للسهرة ومدتها الزمنية، علماً أن إرث عبد الحليم أكبر من أن تختزله ثلاث ساعات فقط.
وفي مفارقة تقنية لافتة وسابقة هي الأولى من نوعها في السهرات الحية، كان العندليب يغني طوال الحفل بدون ميكروفون، وهو التفصيل الذي أثار دهشة وفضول الحاضرين.
هل يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الذاكرة؟
أثبتت ليلة الدار البيضاء في الكثير من لحظاتها أن التكنولوجيا لم تعد مجرد أداة عابرة للفرجة والتسلية، بل أصبحت قوة قادرة على إعادة تشكيل علاقتنا بالذاكرة الفنية نفسها وبأيقونات الماضي.
إن فكرة أن يعود فنان رحل عن عالمنا منذ سنوات طويلة ليقف مجدداً أمام جمهور حي، وسط الضوء والجوق والتصفيق والصفير، هي أمر كان يُصنف قبل سنوات قليلة فقط في خانة الخيال العلمي البعيد.
وعلى الرغم من أن الحفل عرف بعض الهفوات التقنية والتنظيمية خصوصاً في بدايته، إلا أن هذه التجربة تظل استثنائية وواعدة للغاية، ويمكن تطويرها بشكل أكبر في المستقبل مع القفزات المتسارعة التي تشهدها تقنيات الهولوغرام والذكاء الاصطناعي.
قد لا يكون عبد الحليم حافظ قد عاد حقيقة بجسده إلى الدار البيضاء أمس، ولكن صوته أثبت مرة أخرى أن بعض الفنانين لا يرحلون أبداً.
إ. لكبيش / Le12.ma
