تضع فاطمة عتاق، الدكتورة الباحثة في التواصل السياسي، البرنامج الحكومي الذي قدمته رئيسة الحكومة أمام البرلمان، تحت مجهر النقد والتحليل.
عتاق، ترسم من خلال هذه الورقة، الحدود الفاصلة بين البرنامج الانتخابي لحزب «البام» قائد الإئتلاف الحكومي، والبرنامج الحكومي، الذي سيحكم حياة المغاربة خلال السنوات الخمس القادمة.
وتقدم عتاق، قراءة موضوعية حول مدى بناء حكومة تحالف ( البام، الإستقلال، الاتحاد الإشتراكي، التقدم والاشتراكية)، برنامجها على وعود البرنامج الانتخابي من عدمه.
كما قدمت إجابات عن العديد من الأسئلة لفهم روح البرنامج. الحكومي وانتظارات المغاربة، وذلك من خلال قراءة تحليلية نقدية شيدت على 10 محاور.

* فاطمة عتاق
تقتضي قراءة البرنامج الحكومي تحليل فلسفته وأولوياته، وقياس انسجامها مع انتظارات المواطنين، وفحص آليات التمويل والتنفيذ والحكامة والمساءلة.
كما ينبغي التمييز بين البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة للفترة 2027–2031 والبرنامج الحكومي الرسمي الذي يتبناه الائتلاف أمام البرلمان.
وتتمحور الإشكالية حول مدى قدرة البرنامج على الجمع بين العدالة الاجتماعية والنجاعة الاقتصادية والتوازنات المالية، وتحويل الوعود إلى نتائج قابلة للقياس، خصوصاً في مجالات القدرة الشرائية، وتشغيل الشباب، والخدمات الاجتماعية، والأمن الاستراتيجي، والانسجام الحكومي.
أولاً: من تغيير القيادة إلى تغيير السياسات
يمثل وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة تحولاً رمزياً ومؤسساتياً مهماً، لكن قيمته الحقيقية تقاس بقدرته على تحسين علاقة المواطن بالدولة، وجودة الخدمات، وفرص الشغل، وتوزيع ثمار النمو.
ويواجه البرنامج ثلاثة رهانات مترابطة: تخفيف تكاليف المعيشة وتحسين الصحة والتعليم والسكن؛ خلق وظائف وتحفيز الاستثمار؛ واستعادة الثقة عبر تحويل الالتزامات إلى نتائج ومساءلة.
لذلك لا تكفي الرمزية السياسية ما لم تترجم إلى أثر اجتماعي ملموس.
ثانياً: الخريطة العامة للبرنامج
يقوم البرنامج على خمسة مرتكزات بكلفة إضافية معلنة تبلغ 350 مليار درهم خلال خمس سنوات: القدرة الشرائية بـ150 ملياراً، إدماج الشباب بـ50 ملياراً، المواطنة بـ100 مليار، الأمان بـ50 ملياراً، والنمو والاستدامة، الذي يستهدف نمواً سنوياً متوسطاً قدره 5%.
وتكشف هذه البنية عن محاولة الجمع بين الحماية الاجتماعية، وتشغيل الشباب، وتقوية الخدمات، وتعزيز السيادة الاستراتيجية، وتحقيق النمو.
غير أن نجاحها يتوقف على التنسيق بينها؛ فرفع الدخل قد يفقد أثره مع التضخم، وخلق الوظائف يحتاج إلى استثمار منتج وتكوين ملائم وحكامة فعالة.
ثالثاً: القدرة الشرائية وإعادة بناء الثقة الاجتماعية
يركز الميثاق على إصلاح سلاسل التوزيع، وعصرنة أسواق الجملة، وتوسيع التخزين والتبريد، وتشديد مراقبة المنافسة، إلى جانب مراجعة الضريبة على الدخل ورفع الحد الأدنى للمعاش والدعم الاجتماعي.
تتمثل قوة هذا التوجه في معالجة أسباب ارتفاع الأسعار، لا الاكتفاء بالدعم، وتحسين الدخل الصافي للفئات المستفيدة.
لكنه يظل مشروطاً بتحديد الاختلالات الفعلية في السوق، ومنع تحول الشركات الجهوية إلى وسطاء جدد، وقياس أثر التخفيضات الضريبية على تمويل الخدمات العمومية.
كما أن قيمة الدعم والمعاش لا تقاس اسمياً، بل بقدرتهما الشرائية بعد احتساب التضخم وتكاليف السكن والعلاج.
رابعاً: إدماج الشباب
تستهدف مبادرة «لكل شاب أفق» تأهيل وإدماج نحو مليون شابة وشاب، عبر دعم الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل، والحد من الهدر المدرسي، وتطوير التكوين المهني، وتيسير أول تجربة مهنية، ومواكبة المقاولات والسكن.
تكمن أهمية المقاربة في ربط التعليم بالتكوين والعمل والاستقرار، بدل اختزال البطالة في التوظيف المباشر.
غير أن معيار النجاح ليس عدد المسجلين في البرامج، بل نسبة الحصول على عمل مستقر بعد ستة أشهر وسنة وسنتين، ومستوى الأجور والتغطية الاجتماعية، ومنع التشغيل الصوري المؤقت.
كما أن إدماج الشباب سياسي بقدر ما هو اقتصادي؛ فغياب أفق واضح للعمل والاستقلال قد يعمق العزوف عن المؤسسات.
لذلك ينبغي إشراك الشباب في إعداد السياسات ونشر نتائج البرامج حسب الجهات والفئات.
في تقديرنا المحور استراتيجي، لكنه يحتاج إلى وظائف منتجة، وتنسيق بين التعليم والتكوين والاستثمار، والانتقال من برامج مؤقتة إلى مسارات إدماج مستدامة.
خامساً: المواطنة وبناء الدولة الاجتماعية
يجمع ميثاق المواطنة بين الصحة والتعليم والسكن والتشغيل والرقمنة وتفعيل الأمازيغية، بما يجعل المواطنة مرتبطة بالحقوق والخدمات الفعلية.
في الصحة، لا يكفي بناء المؤسسات؛ إذ يتطلب الإصلاح موارد بشرية، وأدوية وتجهيزات، ورعاية أولية، وتقليص الانتظار والفوارق المجالية.
وفي التعليم، تظل جودة التعلمات، وتكوين المدرسين، ومحاربة الهدر والاكتظاظ، أهم من توسيع البنية وحده، مع ضرورة اعتماد مؤشرات سنوية للقراءة والحساب والانقطاع والفجوات المجالية.
أما السكن، فينبغي تقييمه وفق جودة المساكن وموقعها وكلفتها وارتباطها بالنقل والخدمات، لا بعدد المستفيدين فقط.
كما يجب أن تراعي الرقمنة الفوارق في الولوج إلى الإنترنت والمهارات الرقمية، حتى لا تتحول إلى عائق جديد، بينما يتطلب تفعيل الأمازيغية موارد وآليات تنفيذ واضحة.
في تقديرنا، يقدم الميثاق تصوراً واسعاً للدولة الاجتماعية، لكن فعاليته رهينة بجودة الخدمات، وتكامل السياسات، ومؤشرات تقيس النتائج لا المشاريع والاعتمادات فقط.
سادساً: الأمن الاستراتيجي والسيادة الوطنية
يشمل ميثاق الأمان الماء والطاقة والغذاء والبحث العلمي والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بما يعكس انتقالاً من التدبير اليومي إلى تعزيز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات وتقليص التبعية.
في الماء، تظل قيمة التحلية والمنشآت والتحويلات مرتبطة بالكلفة والطاقة والأثر البيئي وتوزيع الاستفادة.
وفي الطاقة، يتطلب هدف رفع الطاقات المتجددة إلى 52% تطوير الشبكات والتخزين والتمويل وربط المشاريع بالطلب.
أما الأمن الغذائي، فيحتاج إلى التوفيق بين الإنتاج المحلي والتصدير وحماية الموارد المائية.
ويضيف الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي بعداً للسيادة الرقمية، لكنه يستلزم حماية البيانات والأمن السيبراني وتقليص الاعتماد الخارجي.
ونرى أن هذا المحور. يتميز برؤية بعيدة المدى، لكنه يحتاج إلى ترتيب الأولويات، وتقدير كلفة التشغيل والصيانة، وضمان الاستدامة البيئية، وتحديد أدوار الدولة والقطاع الخاص والجامعات والجماعات.
سابعاً: النمو والاستدامة والتمويل
يستهدف البرنامج نمواً متوسطه 5%، وخفض البطالة إلى 7%، والتضخم إلى 2%، والعجز إلى 3% من الناتج، والمديونية إلى 62% في أفق 2031.
لا يكفي النمو وحده؛ إذ ينبغي أن يخلق وظائف مستقرة، ويرفع الإنتاجية والدخل الحقيقي، ويمول الخدمات دون الإضرار بالتوازنات.
وتتمثل المعضلة الأساسية في تمويل 350 مليار درهم، عبر 300 مليار من أثر النمو وتوسيع الوعاء الضريبي، و40 ملياراً من الجماعات الترابية، و10 مليارات من إعادة التخصيص وتحسين النجاعة.
ويجعل هذا التصور التمويل رهيناً بتحقق نمو متوقع وغير مضمون. لذلك يلزم إعداد سيناريوهات مالية متعددة، وتوضيح العلاقة بين النفقات الجديدة والميزانيات القائمة، وتفادي احتساب الاعتمادات نفسها مرتين.
في تقديرنا، الطموح الاقتصادي واضح، لكن المصداقية تتطلب خطة تمويل مفصلة، وتقديراً للمخاطر، وآلية لتعديل الأولويات عند تباطؤ النمو.
ثامناً: البعد السياسي والمؤسساتي
يتوقف تنفيذ البرنامج على قدرة الائتلاف الحكومي على بناء أغلبية منسجمة تدعم الميزانية والتشريعات.
ولا يكفي الاتفاق السياسي؛ بل يجب تحديد الأولويات والآجال والمسؤوليات، ووضع آليات لتنسيق السياسات وتسوية الخلافات.
وتتحمل رئيسة الحكومة مسؤولية توحيد القرار التنفيذي، ومتابعة التنفيذ، وتحديد المسؤوليات عند التأخر.
أما المعارضة، فدورها لا يقتصر على الاعتراض، بل يشمل اختبار واقعية السياسات وتقديم بدائل مدعومة بالأرقام.
نرى أن التحدي ليس غياب الاختلاف، بل تحويله إلى تنافس حول النتائج والبدائل، مع ضمان وضوح المسؤولية أمام البرلمان والرأي العام.
تاسعاً: البعد التواصلي وبناء الثقة
يربط البرنامج السياسة بقضايا يومية مثل الدخل والعمل والصحة والتعليم والسكن والأمان، ويعتمد أرقاماً وأهدافاً قابلة للقياس.
وتمنحه هذه العناصر قدرة على الانتقال من خطاب الوعود إلى خطاب النتائج، بشرط نشر بيانات دقيقة ومواعيد واضحة.
ويقتضي التواصل الفعال انسجام رسائل الحكومة، واعتماد لوحة قيادة عمومية تعرض لكل التزام هدفه وأجله وميزانيته والجهة المسؤولة ونسبة الإنجاز والصعوبات والتدابير التصحيحية.
لذلك نرى أنه لا تُبنى الثقة بجاذبية الخطاب، بل بتطابق الإعلان مع ما يلمسه المواطن، وبالاعتراف بالتأخر وتصحيحه بدل الاكتفاء بالترويج.
عاشراً: التقييم العام
تتمثل نقاط قوة البرنامج في وضوح عدد من الالتزامات، وتحديد أغلفة مالية وأهداف كمية، والجمع بين الحماية الاجتماعية والنمو والأمن الاستراتيجي.
أما أبرز مخاطره فتتعلق بواقعية التمويل، وجودة الوظائف، ونقص الموارد البشرية في الصحة والتعليم، والعدالة المجالية، والاستدامة البيئية، وانسجام الائتلاف، ووضوح آليات المساءلة.
وعليه، فالمواطن يقيس النجاح بما ينعكس على دخله، وولوجِه إلى العلاج والتعليم والسكن، وفرص العمل، والعدالة المجالية.
وعليه، فإن المعيار الحاسم هو الانتقال من سياسة الوعود إلى سياسة النتائج، ومن التواصل الدعائي إلى عرض الحصيلة، ومن التدبير القطاعي المنفصل إلى حكامة متكاملة تجعل المواطن محور السياسات العمومية وغايتها.
* باحثة في التواصل السياسي
