​عندما تشتعل منصات التواصل وتتحول شاشات الهواتف إلى ساحات حرب فكرية، ينسحب الجميع لمشاهدة مواجهة من نوع خاص: هل نحن أمام مراجعة نقدية شجاعة أم تطاول صارخ على الخطوط الحمراء؟ قصة تصريحات الدكتور محمد الفايد التي هزت الفضاء الرقمي وأشعلت سجالاً لم يهدأ بعد.

إدريس لكبيش / Le12.ma

* الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي 

​شهدت الساحة الإعلامية في المغرب والعالم العربي حالة من الاحتقان الشديد إثر التداعيات المتلاحقة للتصريحات الأخيرة التي أدلى بها الخبير الزراعي الدكتور محمد الفايد حول مقام النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

​وسرعان ما تجاوزت الأزمة النقاش الفكري لتلقي بظلالها على الأوساط الدينية والقانونية والمجتمعية، مفجرة سجالاً واسعاً حول الحدود الفاصلة بين حرية التعبير والمساس بالثوابت الدينية.

​شرارة الأزمة وردود الفعل العلمية والمجتمعية

​اندلعت تفاصيل هذه الأزمة عقب تداول مقاطع مصورة تطرق فيها الفايد إلى جوانب من الشمائل النبوية والسنة المطهرة؛ حيث اعتبر بعض أشكال الاقتداء والنصوص الواردة في هذا السياق غير لازمة.

​كما أبدى تشككه في حقيقة “أمية النبي” وحجية عدد من الأحاديث المشهورة، وهو ما اعتبره متابعون ومختصون تجاوزاً للتخصص الأكاديمي للفايد وتعدياً على علوم الشريعة والفتوى دون استناد إلى قواعدها المعرفية.

​وأثارت هذه الخرجات الإعلامية موجة استنكار عارمة، بادرت على إثرها قامات علمية ودعوية في المغرب وخارجه للرد العلمي وتفنيد تلك الآراء، معربين عن ضرورتهم القصوى في صون المقام النبوي والدفاع عن المحكمات الدينية.

​وتوازى ذلك مع زخم كبير على منصات التواصل الاجتماعي عبر حملات تضامنية نصرة للسنة النبوية، فيما دعت فعاليات حقوقية ومجتمعية السلطات القضائية إلى التدخل للحد مما وصفوه بالإساءة للمقدسات وإثارة الفتنة العامة.

​الفايد يخرج عن صمته

​في المقابل، خرج الدكتور محمد الفايد بتوضيح موجه للرأي العام عبر شبكات التواصل الاجتماعي لينفي نفياً قاطعاً الاتهامات الموجهة إليه بالتطاول على مقام النبوة.

​وواصفاً ما يتعرض له بـ “الحملة الممنهجة والمضللة” التي تقودها ضدّه تيارات سلفية وجماعات محسوبة على الإخوان المسلمين.

​وأكد الفايد التزامه المطلق باحترام المقام النبوي وحفظه للقرآن الكريم، مشدداً على أن ما يُ يروج حول إلحاده أو تكفيره ما هو إلا كذب وتضليل يهدف إلى تهييج الشارع.

​وأوضح الفايد أن تصريحاته بشأن “أمية الرسول” فُهمت في غير سياقها، حيث كان يستشهد بطرح استنكاري يستند إلى روايات طلب النبي “ورقاً وقلماً” قبل وفاته، إلى جانب الاعتماد على القراءات اللسانية الحديثة التي تفرق بين مفهوم الأمية وعدم القراءة والكتابة.

​وفيما يخص قضايا الموروث الديني كحديث “الحوض”، أشار إلى أن تساؤلاته تتنزل في إطار النقاش الاجتماعي والفكري حول التراث الذي لم ترد فيه نصوص قرآنية صريحة، رافضاً الخرافات المقحمة على الدين.

​واختتم الفايد بتأكيده استمراره كأكاديمي ومفكر في مواجهة الخطاب المتطرف وتكتلاته التنظيمية، متمسكاً بالدفاع عن مقدسات المملكة والدين الإسلامي.

​سؤال الحدود ومستقبل النقاش الديني

​أعادت هذه الواقعة الصاخبة طرح أسئلة ملحة وعميقة حول الإشكاليات المرتبطة باستغلال وسائل التواصل الاجتماعي للخوض في القضايا الفقهية والدينية الدقيقة من قبل غير المتخصصين.

​كما فتحت الباب واسعاً أمام نقاش مجتمعي وقانوني حول كيفية حماية المقومات الدينية من التطاول، وفي الوقت نفسه تحديد المساحات الفاصلة بين حرية الفكر والنقد الأكاديمي وبين الخطوط الحمراء للمقدسات الجامعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *