ابتسامته دفء ابن المغرب العريق الذي يحمل الكثير من والده الفقيه المعلم الراحل سيدي عبد العزيز المنصوري، الذي رباه على هدي القرآن، وزرع فيه، حب الوطن، بكل إيمان.
غيثة الباشا-le12.ma
في هذه الحياة، ليس كل الرجال تُختصر ملامحهم في صورة، ولا تُروى حكايتهم في سيرة.
بل هناك رجال يشبهون الأشجار المباركة، كلما عصفت بها الرياح ازداد جذعها رسوخاً.
وكلما اشتدت العواصف امتدت ظلالها على الناس أمناً وطمأنينة.
ذلك ما ينطبق الى حد كبير حول سيرة رجل بطلها إنسان..
إنه البروفيسور مولاي عبد المالك المنصوري، الرجل الذي اختار أن يجعل من الطب رسالة، ومن الإدارة الصحية مسؤولية، ومن الوطن عقيدة لا تقبل المساومة…
لو رسمه فنان، لما اكتفى بريشة أو لون.
ربما كان سيرسم في عينيه هدوء الطبيب الذي اعتاد مصافحة الألم..
وفي قسمات وجهه صرامة رجل الدولة.. يحمل أمانة رسالة وهم وطن..
وفي ابتسامته دفء ابن المغرب العريق الذي يحمل الكثير من والده الفقيه المعلم الراحل سيدي عبد العزيز المنصوري، الذي رباه على هدي القرآن، وزرع فيه، حب الوطن، بكل إيمان.
ولد في مراكش، المدينة التي تحفظ في أمكنتها ذاكرة الملوك والعلماء، وتخرج من المدرسة العمومية المغربية، قبل أن يشق طريقه إلى كلية الطب بجامعة الحسن الثاني، طبيباً جراحاً..
كان يستطيع أن يجعل من مهارته جواز عبور إلى كبريات المستشفيات الأجنبية، لكنه اختار وصية والده .. الوطن أولاً .
في مشواره المهني، لم يكن يبحث عن المدن المريحة، بل كان يتجه حيث تنتهي الطرق المعبدة وتبدأ معاناة الناس.
في جبال الأطلس، وفي قرى المغرب العميق، وفي دواوير إمنتانوت وشيشاوة، وبين المسالك الوعرة التي لا يصلها إلا أصحاب الرسالات، كان الطبيب يحمل حقيبته كما يحمل الجندي سلاحه.
يعالج المرضى، ويشرف على حملات التلقيح، ويرعى صحة الأم والطفل، ويمنح آلاف الأطفال فرصة الابتسام من خلال عمليات الإعذار، دون أن ينتظر عدسة كاميرا أو تصفيق جمهور.
وحين انتقل إلى الجراحة العامة، ظل يحمل الروح نفسها.
اشتغل في قلعة السراغنة وأزيلال وخريبكة، وسجل سابقة وطنية حين اختار أن يكون جراحاً متطوعاً بمستشفى محمد السادس بأبي الجعد، مؤمناً بأن الطب لا يكتمل إلا عندما يلامس وجع البسطاء.
ولأن الرجال الكبار لا يصنعهم النجاح وحده، بل تصنعهم المحن أيضاً، وجد نفسه يوماً في قلب مؤامرة استهدفت نزاهته لأنه رفض أن يتحول المرفق الصحي إلى امتياز، وأصر على أن يبقى العلاج حقاً للفقراء قبل الأغنياء.
كانت معركة قاسية، لكنها انتهت كما تنتهي كل معركة يخوضها أصحاب الضمائر الحية، خرج منها أكثر احتراماً، وأكثر قرباً من الناس، وأكثر ثقة لدى الدولة.
جددت وزارة الصحة ثقتها فيه، فعُيّن مندوباً إقليمياً للحوز، ثم جاء زلزال الحوز، حيث انكشف معدن الرجال الحقيقي.
بينما كانت الأرض تهتز تحت الأقدام، كان المنصوري ثابتاً، يقود خلية الأزمة بعقل الطبيب، وهدوء القائد، وحكمة رجل يعرف تضاريس الجبال كما يعرف تضاريس النفس البشرية.
نسق بين أطباء القطاعين العام والخاص، والقوات المسلحة الملكية، والمجتمع المدني، والمتطوعين، حتى تحولت الفوضى إلى عمل منظم، واليأس إلى أمل.
لم يكن نجاحه وليد الصدفة، بل ثمرة سنوات طويلة من القوافل الطبية والعمل الإنساني، ومن الاحتكاك اليومي بالإنسان المغربي في أبسط ظروفه وأصعبها.
لذلك لم يكن غريباً أن يحظى بتنويه كبار مسؤولي الدولة، وأن ينال تقدير وزراء الصحة ورجالات وزارة الداخلية، اعترافاً بكفاءة صنعتها الممارسة، وأخلاق صقلتها التربية.
لكن صورة المنصوري لا تكتمل عند حدود الإدارة أو الجراحة.
فهو أيضاً رجل علم ودبلوماسية أكاديمية. أستاذ جامعي، ومنظم لأول مؤتمر دولي للجراحة بمدينة العيون، جمع خبراء مغاربة وأجانب، ورسخ مكانة كلية الطب والصيدلة بالعيون كمنارة علمية.
وهناك، لم يكن يقدم محاضرات فحسب، بل كان يقدم للمشاركين صورة المغرب الذي يبني الإنسان قبل الحجر، ويجعل من الصحة والتعليم ركيزتين للتنمية.
وفي فضاء المجتمع المدني، تبدو بصماته أكثر اتساعاً.
مئات القوافل الطبية داخل المغرب وخارجه، شراكات مع مؤسسة محمد الخامس للتضامن، رئاسة الهلال الأحمر المغربي، مساهمة في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية منذ بداياتها، تجهيز مراكز صحية، حملات لمحاربة السرطان والسل، خدمات طبية داخل المؤسسات السجنية، وسنوات من التطوع في خدمة الفئات الهشة…
وكأن الرجل كان يؤمن أن الطبيب الحقيقي لا يخلع بدلته البيضاء بانتهاء ساعات العمل.
وربما لهذا كله، لم يأت لقب “طبيب الفقراء” من قرار إداري، بل خرج من أفواه الناس.
من المرضى الذين وجدوا فيه طبيباً قبل أن يجدوا مسؤولاً، ومن القرى التي عرفت خطواته قبل أن تعرف اسمه، ومن الأمهات اللواتي رأين فيه أملاً حين ضاقت بهن السبل.
إن البروفيسور مولاي عبد المالك المنصوري ليس مجرد طبيب جراح، ولا مجرد مسؤول إداري، ولا مجرد أستاذ جامعي.
إنه نموذجا لرجل آمن بأن الوطن لا يُخدم بالشعارات، بل بالعرق، والكفاءة، والتضحية، ونكران الذات.
لهذا، كلما ذُكر اسمه، بدا وكأنه لوحة مرسومة بألوان الوطن، إطارها العلم، وخلفيتها القرآن، وريشتها الإنسانية، أما توقيعها الأخير، فهو ذلك اللقب الذي لم تمنحه مؤسسة، بل منحته قلوب البسطاء:
“طبيب الفقراء” في سراء الناس وضرائهم.. ورجل دولة، حين يحتاج الوطن إلى أبنائه الوطنيين..
