في الدار البيضاء، من حي إلى آخر، تتكرر روايات متشابهة عن أزقة تتبدل ملامحها مع حلول الليل، وعن فضاءات كانت مخصصة لحركة بيضاوة، قبل أن تتحول إلى نقاط تستقطب جانحين، وتفرض على المحيط إيقاعا مختلفا عنوانه الضجيج والعربدة وتعاطي مختلف أنواع المخدرات وترويجها.
عادل الشاوي
أحاديث الأسر البيضاوية تغير وجهها. فلم يعد النقاش يقتصر على غلاء المعيشة أو ازدحام الطرق، بل بات الأمن داخل الأحياء يتصدر المجالس اليومية،
بعد تكرار مشاهد العربدة، وتعاطي المخدرات، والشجارات، ومختلف السلوكات الإجرامية في عدد من شوارع العاصمة الاقتصادية،
والتي وثق جانب منها فيديوهات أثار تداولها نقاشا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي.
واليوم، بين حي وآخر، يتردد السؤال نفسه:
كيف فقدت مناطق كانت، إلى وقت قريب، تنعم بالهدوء جزءا من أمنها؟.
ليل مضطرب
هذا السؤال لم يعد يطرح داخل حي واحد أو منطقة بعينها.
فمن حي إلى آخر، تتكرر روايات متشابهة عن أزقة تتبدل ملامحها مع حلول الليل، وعن فضاءات كانت مخصصة لحركة السكان،
قبل أن تتحول إلى نقاط تستقطب جانحين،
وتفرض على المحيط إيقاعا مختلفا عنوانه الضجيج والعربدة وتعاطي مختلف أنواع المخدرات وترويجها.
والمشهد لا يتعلق بحوادث معزولة أو وقائع استثنائية،
بل بأحداث تتكرر إلى درجة جعلت كثيرا من السكان يعتبرونها جزءا من يوميات المدينة.
فالأرصفة، ومداخل الإقامات، وبعض الأزقة، أضحت في عدد من الأحياء فضاءات مفتوحة لسلوكات تزرع التوتر في نفوس السكان،
وتدفعهم إلى إعادة النظر في تفاصيل بسيطة كانت بالأمس القريب عادية،
مثل توقيت العودة إلى المنزل، أو السير في بعض الشوارع ليلا، أو ترك الأطفال يلعبون في محيط الإقامة.
وما يزيد من حدة هذا القلق أن هذه المظاهر لم تعد ترتبط فقط بأحياء اشتهرت منذ سنوات بارتفاع مؤشرات الجريمة،
بل أصبح سكان مناطق كانت توصف بالهادئة يتحدثون بدورهم عن تغيرات فرضت نفسها على محيطهم.
شجارات تتكرر، وتعاط للمخدرات في الفضاء العام، وأشخاص يقضون ساعات طويلة أمام العمارات،
في مشاهد غيرت صورة عدد من الأحياء، وأضعفت ذلك الإحساس بالأمن الذي كان يميزها.
إن أخطر ما تفرزه هذه البؤر ليس فقط ما قد يرتبط بها من أفعال إجرامية، وإنما قدرتها على تغيير علاقة السكان بأحيائهم.
لذلك، أصبحت النقاط السوداء اليوم من أكثر الملفات التي تستأثر باهتمام البيضاويين.
فهي لا تعني فقط ارتفاعا في بعض مظاهر الانحراف، بل تعني أيضا تآكل الإحساس بالأمن داخل الأحياء،
وهو الإحساس الذي يشكل أساس جودة العيش في أي مدينة، ويحدد علاقة المواطن بالفضاء الذي يعيش فيه.
وفي مواجهة هذا الواقع، تواصل المصالح الأمنية تنفيذ تدخلات يومية وحملات تستهدف تجفيف هذه البؤر وتوقيف المتورطين في مختلف الأفعال الإجرامية،
في مجهود متواصل يعكس حجم التحدي الذي تفرضه هذه الظاهرة.
غير أن سكان العاصمة الاقتصادية يترقبون أن تنعكس هذه الجهود بشكل أكبر على تفاصيل حياتهم اليومية،
وأن تستعيد الأحياء هدوءها، حتى يعود الليل في الدار البيضاء زمنا للحياة، لا موعدا لتجدد القلق.
