بين الاعتراف بتعثر بعض البرامج الاجتماعية، والتعهد بمحاربة تضارب المصالح، والحديث عن حكومة سياسية قادرة على الإنصات للمواطنين، قدمت فاطمة الزهراء المنصوري خطاباً مليئاً بالوعود والرسائل السياسية.
لكن الرهان الحقيقي لا يكمن في قوة التصريحات، بل في قدرة الحكومة على تحويلها إلى نتائج ملموسة تنهي فجوة الثقة وتضع حداً للفوارق المجالية والاجتماعية.
إدريس لكبيش/ Le12.ma
قدمت رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، خلال ردها على مداخلات الفرق والمجموعات البرلمانية بمجلس المستشارين، اليوم الأربعاء، صورة لحكومة تصف نفسها بالسياسية بامتياز، وتتعهد باستعادة ثقة المواطنين ومحاربة تضارب المصالح والاستجابة لانشغالات المغاربة.
غير أن الخطاب الحكومي، مهما حمل من رسائل قوية، يفتح الباب أمام سؤال جوهري: هل نحن أمام بداية فعلية لتغيير أسلوب تدبير الشأن العام، أم أمام وعود سياسية جديدة تنتظر اختبار الممارسة؟
المنصوري شددت على أن حكومتها تضم وزراء مناضلين راكموا مسارات سياسية داخل أحزابهم، باستثناء أحمد رحو، الذي وصفته بالكفاءة الوطنية التي تفرضها طبيعة المرحلة.
لكن صفة الحكومة السياسية لا تُقاس فقط بالانتماء الحزبي أو المسارات النضالية لوزرائها، بل بقدرتهم على اتخاذ قرارات جريئة، وتحمل المسؤولية السياسية، وتقديم حصيلة تستجيب لانتظارات المواطنين.
فالمغاربة لا ينتظرون مجرد حكومة تتحدث بلغة السياسة، وإنما حكومة تجعل من السياسة وسيلة لتحسين أوضاعهم المعيشية، وتوفير فرص الشغل، والارتقاء بالخدمات الصحية والتعليمية، ومحاربة مظاهر الريع والفساد.
استعادة الثقة.. الاختبار الأصعب
أقرت المنصوري بأن استعادة الثقة كانت من بين أولويات الاتفاق بين مكونات الأغلبية، مستحضرة نسبة المشاركة في الانتخابات، التي بلغت 38 في المائة.
وهو اعتراف يحمل دلالة سياسية واضحة، لأن ضعف المشاركة الانتخابية لا يمكن اختزاله في العزوف عن صناديق الاقتراع، بل يعكس، في جانب منه، أزمة ثقة بين المواطنين والمؤسسات السياسية.
لكن استعادة هذه الثقة لن تتحقق بمجرد إعلان النوايا، ولا من خلال التأكيد على أن الوزراء لن يظهروا في التلفزيون لترديد عبارات من قبيل أن «العام زين»، بل عبر الاعتراف بالأخطاء، وتقديم أجوبة واضحة عن الملفات المتعثرة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما أن تأكيد رئيسة الحكومة رفضها تضارب المصالح يضع الأغلبية أمام امتحان حقيقي، يتمثل في مدى قدرتها على ترجمة هذا الالتزام إلى قواعد صارمة للمراقبة والشفافية، بعيداً عن الانتقائية أو الاكتفاء بالشعارات.
حكومة سياسية.. ومعارضة تراقب
وفي دفاعها عن طبيعة الحكومة، أكدت المنصوري أن الديمقراطية تقوم على الإنصات، وأن الحكومة تدبر بينما تتولى المعارضة المراقبة.
وهو تصور سليم من حيث المبدأ، لكنه يظل رهيناً بمدى احترام الحكومة لدور المعارضة، وتفاعلها الجدي مع انتقاداتها ومقترحاتها، بدل التعامل معها باعتبارها مجرد أصوات معاكسة.
فالحكومة القوية ليست تلك التي ترفض الانتقاد، بل التي تستطيع التمييز بين المزايدات السياسية والملاحظات الموضوعية، وتحوّل النقاش البرلماني إلى فرصة لتجويد السياسات العمومية.
وفي المقابل، فإن المعارضة مطالبة بممارسة رقابتها بمسؤولية، وتقديم البدائل، ومتابعة تنفيذ الالتزامات الحكومية، حتى لا يتحول الصراع السياسي إلى مجرد تبادل للاتهامات.
العالم القروي.. اعتراف بالتعثر وانتظار للحلول
من أبرز الرسائل التي حملها خطاب المنصوري، إقرارها بوجود تعثر في برنامج دعم السكن بالعالم القروي مقارنة بالمدن، مع الإعلان عن إعداد قانون جديد يروم تبسيط المساطر الإدارية ومعالجة تعقيدات العقار.
ويكتسي هذا الاعتراف أهمية خاصة، لأنه يضع الفوارق المجالية في صلب النقاش الحكومي، ويعيد إلى الواجهة معاناة سكان القرى والمناطق النائية مع تعقيد الإجراءات وضعف الولوج إلى الخدمات الأساسية.
لكن الاعتراف بالتعثر، على أهميته، لا يكفي وحده. فالمواطن القروي يحتاج إلى آجال واضحة لتنفيذ الإصلاحات، وإجراءات عملية تضمن استفادته من برامج السكن والتنمية، دون أن يصطدم بمتاهات إدارية أو عراقيل عقارية تحول دون تحقيق أبسط تطلعاته.
كما أن الدعوة إلى القطع مع الممارسات السابقة تقتضي تحديد مكامن الخلل، ومساءلة الجهات المسؤولة عن التعثر، وتقديم حصيلة دقيقة لما تحقق وما لم يتحقق.
فمشكلة العالم القروي لا تختزل في السكن وحده، بل تشمل أيضاً الصحة والتعليم والطرق والماء وفرص الشغل، وهي ملفات تتطلب رؤية متكاملة تتجاوز الحلول الظرفية.
مغاربة العالم.. من خطاب الشراكة إلى ضمانات التنفيذ
وفي ما يتعلق بالجالية المغربية بالخارج، رفضت المنصوري الانتقادات التي اعتبرت أن البرنامج الحكومي أغفل هذا الملف، مؤكدة أن مغاربة العالم ليسوا مجرد مقيمين بالخارج، بل شركاء حقيقيون ودائمون في التنمية الوطنية.
كما أعلنت التزام الحكومة بتفعيل النصوص القانونية المنظمة للمؤسسة المحمدية المعنية بقضايا الجالية، وتسريع رقمنة الخدمات الإدارية والقنصلية، وتشجيع الأجيال الجديدة على الاستثمار في المغرب، مع توفير المواكبة اللازمة للحفاظ على الهوية الوطنية والدينية.
غير أن هذه الالتزامات تطرح بدورها سؤال التنفيذ، خصوصاً أن انتظارات مغاربة العالم لا تتعلق فقط بالشعارات، بل تشمل تبسيط المساطر، وتقليص آجال معالجة الملفات، وتحسين الخدمات القنصلية، وتوفير مناخ استثماري شفاف يحمي حقوقهم ويشجعهم على ضخ استثماراتهم في بلدهم الأصلي.
أما التأكيد على أن رئيسة الحكومة لا تحتاج إلى دروس في هذا الملف، فرغم ما يحمله من دفاع عن الحصيلة والمواقف السياسية، فإن النقاش العمومي لا يُحسم بمدى معرفة المسؤولين بالملفات، وإنما بمدى استجابتهم الفعلية لمطالب المعنيين بها.
الجهوية المتقدمة.. هل ينتهي انتظار القرارات في الرباط؟
وفي ملف التنمية الترابية، شددت المنصوري على أهمية ورشي اللاتمركز والجهوية المتقدمة، معتبرة أن تقريب مركز اتخاذ القرار من المواطن ينعكس إيجاباً على حياته اليومية.
واستحضرت في هذا السياق مناطق مثل طاطا وفكيك والداخلة، منتقدة استمرار انتظار المواطنين في المناطق البعيدة قرارات تتخذ في العاصمة الرباط.
وهنا يبرز أحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومة: الانتقال من مركزية القرار إلى توزيع فعلي للصلاحيات والموارد، بما يمنح الجهات والعمالات والجماعات القدرة على الاستجابة السريعة لحاجيات السكان.
فالجهوية المتقدمة لا يمكن أن تظل ورشاً دستورياً تتكرر الإشارة إليه في الخطب والبرامج، بل ينبغي أن تتحول إلى ممارسة إدارية ومالية واضحة، تتيح للمسؤولين الترابيين اتخاذ القرارات ضمن اختصاصاتهم، مع إخضاعهم للمحاسبة وربط تدبيرهم بنتائج ملموسة.
كما أن ارتباط هذا الورش بالتطورات التي يعرفها ملف الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية يزيد من أهمية تسريع تنزيله، وتعزيز قدرة المؤسسات الترابية على مواكبة متطلبات التنمية.
السرعة في تشكيل الحكومة لا تعني بالضرورة السرعة في الإنجاز
وتطرقت رئيسة الحكومة أيضاً إلى المدة التي استغرقها تشكيل الحكومة، مشيرة إلى أنها لم تتجاوز 16 يوماً، وإلى إعداد البرنامج الحكومي وإيداعه في ظرف قياسي.
كما أوضحت أن إيداع مشروع قانون المالية قبل المصادقة على التنصيب يختلف عن مناقشته والمصادقة عليه، في إشارة إلى الحدود الدستورية المنظمة لهذه المسطرة.
ورغم أن سرعة تشكيل الحكومة قد تعكس قدرة مكوناتها على التوافق، فإن المعيار الحقيقي لنجاحها لا يرتبط بعدد الأيام التي استغرقها تشكيلها، بل بالمدة التي ستحتاجها لإطلاق الإصلاحات وتنفيذ الالتزامات.
فالمواطن لا يقيس أداء الحكومة بسرعة الاتفاق على الحقائب الوزارية، وإنما بسرعة معالجة الملفات الاجتماعية والاقتصادية، ومدى قدرتها على تخفيف الأعباء اليومية وتحسين جودة الخدمات العمومية.
بين الوعود والواقع.. المحك هو الحصيلة
في المحصلة، حمل خطاب فاطمة الزهراء المنصوري رسائل سياسية واضحة، أبرزها الالتزام باستعادة الثقة، ومحاربة تضارب المصالح، والاعتراف ببعض الاختلالات، وتسريع الجهوية المتقدمة، وإيلاء اهتمام أكبر بالعالم القروي ومغاربة العالم.
لكن نجاح هذه الالتزامات سيظل رهيناً بوجود برنامج تنفيذي واضح، وآجال محددة، ومؤشرات قابلة للقياس، وآليات للمحاسبة تتيح للمواطنين تتبع ما تحقق فعلياً.
فالمغرب لا يحتاج فقط إلى حكومة سياسية بامتياز، بل إلى حكومة تجعل من السياسة أداة للإنجاز، ومن الحوار وسيلة لتصحيح الاختلالات، ومن الاعتراف بالفشل أو التعثر نقطة انطلاق للإصلاح.
وبين الخطاب والممارسة، يبقى المواطن هو الحكم النهائي، لأنه وحده من سيحدد، من خلال ما يلمسه في حياته اليومية، ما إذا كانت وعود استعادة الثقة ستتحول إلى واقع، أم ستظل عنواناً سياسياً جديداً في انتظار الحصيلة.
