يواصل المحامي، والفقيه الدستوري امحمد مالكي، تقديم إضاءات أكاديمية حول تعاطي المحكمة الدستورية، مع مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة، وما واكب ذلك من جدل.
بعد نشرها لمقاله الأول تحت عنوان: «المحكمة الدستورية ومشروع قانون مهنة المحاماة.. هل انتهى أجل البت؟».
تعود جريدة Le12.ma، لتنشر مقاله الثاني، تحت عنوان: «عودة على بدء..».
الرباط / جواد مكرم / Le12.ma
أصدرت المحكمة الدستورية القرار رقم 277/26 في الملف عدد 317/36، الخاص بفحص قانون مهنة المحاماة، محترمة الأجل المحدد لها في المادة 26 من قانونها التنظيمي رقم 066/13، وهو ثلاثون يومًا من تاريخ تبليغ الإحالة عليها برسالة من الأمانة العامة للحكومة (08 يوليوز 2026).
أولًا: عن مضمون القرار ومنطوقه
1- اطلعت المحكمة على تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان التابعة لمجلس المستشارين، وليس على النص الكامل كما تمت الموافقة والمصادقة عليه من قبل مجلسَي البرلمان، وهذه إشارة ذات دلالة بالغة الأهمية؛ لأن الرقابة في جوهرها تنصب على النص الأصلي، وليس على تقرير لجنة العدل الذي يدخل في خانة الأعمال التحضيرية، وهو في كل الأحوال أقل تراتبية من النص النهائي.
2- اطلعت المحكمة على الملاحظات التي أُدلي بها من قبل أعضاء المجلسين يومي 20 و22 يوليوز 2026.
3- وبناءً على الفصل 132 من دستور 2011، والفصل 26 من القانون التنظيمي للمحكمة المشار إليه أعلاه، قررت المحكمة عدم البت في قانون المحاماة المحال عليها، بتعليل أنها لم تتوصل بنصه الأصلي الكامل والنهائي، بل بتقرير لجنة العدل والتشريع في مجلس المستشارين، وهو ما جعل ملف الإحالة ناقصًا وغير مستوفٍ لكامل شروطه الإجرائية.
ثانيًا: هل كان بإمكان المحكمة سلوك طريق آخر غير القرار بعدم البت في الموضوع؟
1- طبعًا، للمحكمة كامل السلطة التقديرية في اختيار الطريق الذي تقدر نجاعته، لكن هناك مكنات أخرى أمام المحكمة كان بالإمكان اللجوء إليها، ومنها مطالبة صاحب الإحالة، أي رئيس مجلس النواب، باستكمال وثائق الملف وتضمين هذا الأخير مشروع قانون المحاماة كما تمت المصادقة عليه من قبل مجلسَي البرلمان كاملًا ونهائيًا، خصوصًا وأن لديها سابقة في قانون المسطرة المدنية، حيث تم البت فيه دون الوقوف عند هذه الشكلية المهمة إجرائيًا.
2- وفي السياق نفسه، هل كان غائبًا عن رئيس مجلس النواب، وهو المسؤول عن مؤسسة دستورية بالغة الأهمية، أن يحيل القانون مستوفيًا لكل شروطه، خصوصًا وأن له مكتبًا ومستشارين قانونيين؟ ثم إن التقصير الحاصل لا يجوز الوقوع فيه، لأنه من أبجديات المساطر القانونية.
ثالثًا: ما العمل إذن بعد نشر المحكمة قرارها بعدم البت في قانون المحاماة؟
1- لابد من التأكيد على أن المحكمة لم تبت بعد في الموضوع، فقد أثارت عيبًا شكليًا رتبت عنه استبعاد البت، وهو ما يعني أن القانون المحال عليها ما زال يراوح مكانه.
2- فطالما أن المحكمة لم تبت في الموضوع، فإن حق الإحالة لم يسقط، ويمكن صاحبه إعادة تفعيله باستكمال وثائق الملف، وعلى رأسها تضمين النص الكامل لقانون المحاماة.
علمًا أنني، في حدود معرفتي، لم يحدث للقضاء الدستوري منذ عهد الغرفة الدستورية أن امتنع عن البت في الموضوع بعلة وجود عيب شكلي في الملف.
3- كما أن اختصاص المحكمة بالبت في دستورية القانون المحال عليها يظل قائمًا ومستمرًا، ولا يسقط بعلة عدم استيفاء الملف لكامل وثائقه، وبذلك لا تستطيع المحكمة إيقاف مسطرة الإحالة والانتقال المباشر إلى الخطوات الدستورية الأخرى، أي تفعيل حق إصدار الأمر بتنفيذ القانون الذي يدخل دستوريًا في الاختصاص الملكي، والنشر بالجريدة الرسمية.
4- قد يقول قائل: أما وقد انتهى الأجل، أي ثلاثون يومًا، فإن مسطرة الإحالة أنهت خطواتها الدستورية. الجواب هو أن الأجل يكون منقضيًا لو بتت المحكمة في الموضوع وأنتج قرارها أثرًا على القانون موضوع الإحالة، بإقرار دستوريته أو رفضه بحجة عدم مطابقته للدستور أو تصويب وتصحيح فصول محددة منه.
وفي نازلة الحال، المحكمة لم تبت في الموضوع، فبقي القانون يراوح مكانه، أي لم ينتج أثرًا على النص المحال.
رابعًا: الخلاصة
الحل الدستوري الذي أراه ملائمًا ومنطقيًا، ويتماشى مع الشرعية الدستورية، هو أن يعيد رئيس مجلس النواب ملف إحالة قانون المحاماة من جديد، مستوفيًا كل وثائقه، وتباشر مسطرة الرقابة على الدستورية من جديد لتنتج أثرها على القانون، ويدخل بعدها حيز التنفيذ.
يعلمنا علم الاجتماع القانوني أن السياق، بمعناه الواسع، يلعب دورًا مفصليًا في نفاذ القانون وإنتاجه لآثاره.
وإذا نظرنا إلى السياق الناظم لقانون المحاماة الآن، فإن المنطق يقول إن الأمور قد لا تسير كما نراها نحن القانونيين ونسعى إليها، بل قد تتحكم فيها متغيرات أخرى يكون للقانون في نطاقها دور محدود، وعلى رأس هذه المتغيرات لعبة السياسة والتوازنات الوطنية والدولية.
* امحمد مالكي: محام وفقيه دستوري
