في تطور دبلوماسي لافت وغير مسبوق، تحولت جلسة مجلس الأمن بشأن الصحراء المغربية إلى مواجهة مفتوحة بين واشنطن وموسكو، بعدما استخدم الطرفان حق النقض «الفيتو» ضد مشروعي قرار متقابلين، لينتهي الاجتماع دون اعتماد أي قرار جديد بشأن مستقبل البعثة الأممية.
إ. لكبيش / Le12.ma
شهد مجلس الأمن الدولي مواجهة دبلوماسية حادة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا بشأن نزاع الصحراء المغربية، انتهت بإسقاط المشروعين الأمريكي والروسي عبر استخدام حق النقض «الفيتو» المتبادل، في مشهد يعكس حجم التباعد بين مواقف القوى الكبرى حول مستقبل المسار السياسي للنزاع.
وبدأت تفاصيل هذه المواجهة خلال الجلسة التي احتضنها مقر الأمم المتحدة، عندما قدمت واشنطن مشروع قرار يتضمن تغييرات جوهرية في هيكلية وطبيعة عمل البعثة الأممية، من بينها تغيير تسميتها ابتداءً من فاتح نونبر 2026 إلى «بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية» (MINUSO)، مع حذف حرف «R» الذي يرمز إلى الاستفتاء، فضلاً عن تكليف الأمين العام للأمم المتحدة بتقديم تصور لمراجعة انتشارها الميداني.
كما تضمن المشروع الأمريكي اعتماد مبادرة الحكم الذاتي المغربية الموسعة والمحيّنة أساساً وحيداً ومحصوراً للمفاوضات السياسية، باعتبارها الحل الأكثر قابلية للتطبيق لتسوية النزاع في إطار السيادة المغربية.
ورغم حصول المشروع الأمريكي على تأييد 11 عضواً من أعضاء مجلس الأمن، مقابل امتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت، فإن روسيا تدخلت باستخدام حق النقض لإجهاضه، احتجاجاً على التعديلات المقترحة، خصوصاً تلك المرتبطة بتغيير طبيعة البعثة وربط ولايتها بالمسار السياسي.
وفي خطوة مضادة، تقدمت موسكو بمشروع قرار بديل يقضي بتمديد ولاية بعثة «المينورسو» لسنة إضافية، إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع الإبقاء على تسميتها الحالية وطبيعة مهامها دون إدخال تغييرات جوهرية عليها.
غير أن المشروع الروسي لم يسلم بدوره من الفيتو، بعدما استخدمت الولايات المتحدة حق النقض ضده، في وقت لم يحظ فيه سوى بتأييد ثلاثة أعضاء، مقابل امتناع 11 عضواً عن التصويت، الأمر الذي حال دون اعتماده.
وعقب هذه المواجهة، وجه مايك والتز، المندوب الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، انتقادات قوية للموقف الروسي، معتبراً أن التمسك بخيار الاستفتاء يتجاهل المعطيات السياسية والتقارير الأممية المتراكمة التي أظهرت تعثر هذا المسار على مدى سنوات طويلة.
واستحضر المسؤول الأمريكي في هذا السياق المراحل السابقة من تدبير النزاع، بما فيها التقارير الأممية خلال فترتي بطرس بطرس غالي وكوفي عنان، فضلاً عن الجولات التفاوضية التي قادها جيمس بيكر، والتي كشفت، بحسب الموقف الأمريكي، صعوبة تنفيذ خيار الاستفتاء، خاصة بعد توقف عملية تحديد هوية الناخبين منذ سنة 1996.
وشدد والتز على أن دعم واشنطن لمبدأ تقرير المصير لا يعني التمسك بصيغ سياسية أثبتت محدوديتها، بل يقتضي البحث عن حلول عملية وقابلة للتنفيذ، مشيراً إلى أن بلاده شاركت في ثلاث جولات تفاوضية رفيعة المستوى تناولت تفاصيل مبادرة الحكم الذاتي، والترتيبات الأمنية والدستورية، فضلاً عن قضايا تقاسم الموارد.
كما ربط المسؤول الأمريكي استمرار الوضع القائم بالأوضاع الإنسانية الصعبة التي يعيشها سكان مخيمات تندوف، مستنداً إلى تقييمات أممية تتحدث عن ارتفاع معدلات فقر الدم وسوء التغذية، في إشارة إلى ضرورة تجاوز حالة الجمود التي تطبع النزاع منذ عقود.
ويضع هذا التطور مجلس الأمن أمام مأزق دبلوماسي وإجرائي، بعدما عجزت الولايات المتحدة وروسيا عن التوصل إلى صيغة مشتركة، واختار كل طرف إسقاط مشروع الطرف الآخر بدلاً من البحث عن تسوية توافقية.
وبذلك انتهت الجلسة دون اعتماد قرار جديد يحدد مستقبل ولاية البعثة الأممية، وهو ما يفتح الباب أمام مشاورات دولية مكثفة خلال المرحلة المقبلة، بهدف التوصل إلى صيغة تتجاوز الخلاف القائم بين الرؤية الأمريكية الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي المغربية والموقف الروسي المتمسك بالإطار التقليدي لعمل بعثة «المينورسو».
