أعرف السيد حسن الدرهم منذ سنوات طويلة، وأعرف فيه الرجل الذي صنع اسمه بجهده واجتهاده في عالم الأعمال والمال والسياسة والاستثمار، لذلك فإن ما أكتبه اليوم لا يصدر عن خصومة ولا عن رغبة في التقليل من مكانته، وإنما عن صداقة قديمة تفرض علي قول ما أراه صوابا بكل صدق واحترام.
وقد وجدت نفسي مدفوعا إلى كتابة هذه السطور بعد خرجته الإعلامية الأخيرة، والتي أثارت الكثير من النقاش والتفاعل. وأقول منذ البداية إنني لا أشكك في حقه في التعبير عن آرائه أو إثارة القضايا التي يراها مهمة، لكنني أرى أن من واجبي كمتتبع للشأن المحلي أن أصارح السيد حسن الدرهم عندما يعتقد أنه يسلك طريقا لن توصله إلى النتائج التي ينتظرها.
الدرهم استشارني
وأستحضر هنا، من باب الأمانة، أن السيد حسن الدرهم استشارني قبل خرجته الإعلامية الأولى ، وقد عبرت له حينها بصراحة عن عدم اقتناعي بذلك التوجه. لم يكن اعتراضي على حقه في التعبير أو الدفاع عن نفسه، وإنما لأنني رأيت أن تلك الخرجة كانت تمزج بين مستويين مختلفين.
فمن جهة رفعت شعارات “محاربة الفساد وكشف الاختلالات”، ومن جهة أخرى حملت قدرا كبيرا من الغضب والإحساس بالظلم الناتجين عن الأزمة المالية التي عاشها بسبب شراكة فاشلة مع مستثمر فرنسي من أصول جزائرية، وهي الشراكة التي ترتبت عنها، بحسب ما كان يرويه السيد الدرهم في أكثر من مناسبة، خسائر مالية كبيرة واستنزاف لجزء مهم من شركاته واستثماراته. وقد قلت له يومها إن الرأي العام قد يجد صعوبة في الفصل بين الدفاع عن قضايا عامة وبين التعبير عن مظلمة شخصية، وهو ما قد يضعف الرسالة ويجعل كثيرين يقرؤونها من زاوية مختلفة.
خرجته الأخيرة
واليوم، وبعد متابعتي لخرجته الأخيرة، عاد إليّ الإحساس نفسه.
فالقضايا التي يطرحها قد يراها البعض مهمة وتستحق النقاش، لكن طريقة تقديمها وسياقها وتوقيتها تجعل كثيرين ينظرون إليها باعتبارها امتدادا لمعركة شخصية ثأرية وسياسية طويلة ناتجة عن هزائم سياسية وإنتخابوية متتالية، أكثر من كونها مشروعا إصلاحيا متكاملا يحمل رؤية واضحة للمستقبل.
إنتكاسات الدرهم
وفي تقديري، لم تكن أغلب الانتكاسات التي عرفها السيد حسن الدرهم خلال السنوات الأخيرة نتيجة مؤامرات أو استهداف من الخصوم بقدر ما كانت نتيجة قرارات غير موفقة وتأثير أشخاص لم يكونوا دائما أهلا للنصح والمشورة. فالرجل كان يملك من التجربة ما يكفي لتجنب كثير من الأخطاء، لكن بعض من أحاطوا به دفعوه إلى خيارات لم تخدمه سياسيا ولا ماليا.
ومن بين هذه المحطات على سليل المثال لا الحصر قرار الترشح بمدينة إفني حينها التي هُزم في نتائجها و قرار الترشح بمدينة الداخلة لخوض رهانات سياسية وانتخابية ( انتخابات الغرف المهنية) لم تحقق النتائج المرجوة، بعدما قُدمت له وعود وقراءات أثبتت الوقائع لاحقا أنها لم تكن دقيقة. وقد شكلت تلك التجربة بداية سلسلة من الرهانات التي لم تسر كما كان يتمنى.
كما أن قرارات الاستقالة من البرلمان ومن رئاسة بلدية المرسى يبقى، في نظر عدد كبير من المتابعين، من أكثر القرارات السياسية كلفة في مساره. فقد تخلى عن مواقع كان يتمتع فيها بحضور وتأثير واضحين، قبل أن يكتشف أن البدائل التي قُدمت له لم تكن في مستوى التطلعات التي رُسمت له.
ثم جاءت تجربة الترشح بمدينة بوجدور، وهي محطة أعتقد شخصيا أن بعض المقربين منه لعبوا دورا كبيرا في دفعه إليها رغم معرفتهم المسبقة بصعوبة التوازنات المحلية هناك. وكانت النتيجة أن خسر الدرهم رهانا جديدا، بينما خرج آخرون بأقل الأضرار أو ببعض المكاسب الخاصة.
ولم تقتصر الإشكالات على الجانب السياسي فقط، بل امتدت إلى بعض الشراكات الاقتصادية التي دخلها بثقة كبيرة مع أشخاص لم يكونوا في مستوى الشراكة والمسؤولية، وهو ما ترتبت عنه تداعيات مالية وقانونية أثرت على جزء من استثماراته واستنزفت الكثير من وقته وجهده، وتركت دون شك أثرا عميقا في نظرته إلى عدد من القضايا والأحداث التي أعقبت تلك المرحلة.
وعندما أستمع اليوم إلى خرجاته الإعلامية المتتالية، ببدو ان الرجل يوجه مدفعيته في جميع الاتجاهات و أشعر بالتالي بانه يحاول مواجهة الجميع دفعة واحدة؛ اسرته (آل الدرهم) بيته الدافئ و المنتخبين والإدارة والفاعلين الاقتصاديين والسياسيين وغيرهم. ورغم أن بعض ما يثيره قد يستحق النقاش في نظر البعض، فإن توسيع دائرة المواجهة بهذا الشكل لا يخدم الرسالة بقدر ما يطرح تساؤلات حول خلفياتها وأهدافها.
لقد تحدث السيد الدرهم في خرجته الاخيرة عن العقار والريع والتنمية واختلالات متعددة، لكن السؤال الذي يطرحه كثير من المتابعين هو: لماذا الآن؟ ولماذا بهذه الحدة؟ فإذا كانت هذه الملفات موجودة منذ سنوات، وإذا كانت هذه الاختلالات معروفة لدى العام والخاص، فما الذي تغير حتى أصبحت محور خطاب سياسي وإعلامي متواصل؟.
ومن موقع معرفتي بحقائق الامور عن قرب، أعتقد أن المشكلة لا تكمن في القضايا التي يطرحها، بل في الخلفية التي تُطرح من خلالها. فعندما تختلط الرغبة في الإصلاح بالرغبة في الرد على خيبات الماضي، وعندما يمتزج الدفاع عن المصلحة العامة بالإحساس الشخصي بالظلم، تصبح الرسالة أقل تأثيرا مهما كانت بعض مضامينها “صحيحة ومشروعة”.
ولهذا أرى أن خرجة السيد الدرهم الأخيرة لم تكن سوى حلقة جديدة من مسار بدأ منذ سنوات، مسار تغذيه المشاكل الأسرية الداخلية وأخطاء في التقدير، ونصائح غير موفقة، وشراكات خاسرة، وقرارات سياسية لم تحقق أهدافها، من سيدي إفني إلى الداخلة إلى المرسى ثم بوجدور، قبل أن يتحول كل ذلك إلى خطاب هجومي واسع يرفع “شعارات الإصلاح ومحاربة الفساد”، بينما يقرأه كثيرون باعتباره محاولة للبحث عن مخرج من أزمات سياسية ومالية متراكمة أكثر منه مشروعا سياسيا جديدا.
من موقع “النصوحة”
ولهذا، ومن موقع “النصوحة” قبل أي شيء آخر، أعتقد أن السيد حسن الدرهم في حاجة اليوم إلى مراجعة هادئة لتجربته، وإلى مصارحة نفسه قبل مصارحة الآخرين، لأن جزءا مهما مما يعيشه اليوم كان نتيجة سوء تقدير، وقرارات غير متوازنة، وثقة وُضعت في غير محلها. وما زلت أرى أن الرجل يملك من الخبرة والرصيد ما يسمح له باستعادة التوازن إذا اختار طريق المراجعة والبناء( بالعودة أولا وقبل كل شيء إلى أسرته حضنه الدافئ وإصلاح ذات البين) بدل الاستمرار في معارك لا تبدو نتائجها مختلفة كثيرا عن سابقاتها.
فالتاريخ السياسي والاقتصادي للرجل أكبر من أن يُختزل في سلسلة من الخرجات الإعلامية المتوترة، ومكانته التي راكمها عبر عقود تستحق منه اليوم وقفة تأمل ومراجعة، لأن البناء كان دائما أقوى من الصدام، والمبادرة أنفع من رد الفعل، والحكمة تقتضي أحيانا إعادة ترتيب الأوراق بدل الاستمرار في معارك تستنزف صاحبها أكثر مما تحقق له من مكاسب.
الدكتور: عبدالقادر الحافظ بريهما- كاتب سياسي
