في الوقت الذي كانت فيه طائرات الصداقة الفرنسية تهبط في مطار الرباط سلا، محملة بوفود رفيعة المستوى، وبروتوكولات تزن أطناناً من الاتفاقيات الاقتصادية والاستراتيجية.
وفي اللحظة التي كان فيها المغاربة يتابعون حفل توقيع الشراكة الاستثنائية بين الرباط وباريس والاعتراف الصريح بمغربية الصحراء، كان هناك شخص واحد في مكان ما، يتحدث في”الميكروفون” بكلام خارج النص، والسياق، وخال من الإتساق…
نعم، إنه عبد الإله بنكيران، يعود إلينا من جديد من نافذته المعهودة للحديث في الدبلوماسية بمنطقه الخاص.
فبينما يتحدث الخبراء والمحللون خلال زيارة الوفد الفرنسي إلى المغرب، بلغة الأرقام، والاستثمارات المليارية في قطاعات الطاقة المتجددة، والنقل السككي عالي السرعة، والتحالفات الجيوسياسية الجديدة التي تقلب موازين القوى في المنطقة، اختار بنكيران أن يختزل المشهد كله في معادلة بسيطة، حاسمة، ولا تقبل النقاش: “المغرب ديال الإسلام، وما يدخل فينا لا ماكرون، لا ميكرون، ولا ميكروب!”.
ما هذا يا هذا؟
أهكذا يتحدث من جلس يوماً على كرسي رئاسة حكومة المملكة المغربية العريقة؟!”
هكذا، إذن، وبجرعة حموضة زائدة من “القفشات” الشعبوية، قرر زعيم المصباح أن يذكرنا بأن السياسة الخارجية للدول لا تُدار بالدبلوماسية الهادئة أو بالمصالح المشتركة، بل بـ “السجع” اللغوي والمصطلحات التي تذكرنا ببرامج التوعية الصحية للأطفال ضد الجراثيم.
المثير للدهشة في الأمر، هو التوقيت العجيب لخرجة بنكيران، تجاه المغرب، وفرنسا، وماكرون، والبقية يعرفها..!!
فبينما تحصد الدولة المغربية مكاسب دبلوماسية تاريخية تُثبّت سيادتها على أقاليمها الجنوبية بوعي وهدوء وبأعلى مستوى من الحرفية، يخرج بنكيران ليوهم أتباعه بكلام، كما لو أن إيمانويل ماكرون جاء إلى الرباط بجيش من المنصرين.
وهذا طبعاً غير صحيح..
أو كأنه يحمل في حقيبته الدبلوماسية مخططاً لتغيير عقيدة المغاربة، وليس مجرد عقود استثمارية لشركات “ألستوم”..
وهذا كذلك غير صحيح..!؟.
لذلك، يبدو أن بنكيران والحالة هاته، ما زال يعيش في زمن الحروب الصليبية، أو أنه ببساطة لم يجد ما يقوله أمام نجاحات خصومه السياسيين، سوى اللعب على الوتر العاطفي الأكثر أماناً وضماناً لـ “البوز”.
يتحدث بنكيران، كأن إسلام المغرب – الذي يعود لأزيد من اثني عشر قرناً والمحمي بمؤسسة إمارة المؤمنين – مهدد فجأة بزيارة رسمية مدتها ثلاثة أيام وبعض الصور التذكارية!
المفارقة هنا، هي أن هذا الخطاب يتناسى تماماً أن المغرب القوي باقتصاده، وبحلفائه، وباعترافات الدول الكبرى بمغربية صحرائه، هو نفسه المغرب المتمسك بهويته وإسلامه الوسطي المنفتح.
لكن يبدو أن المعارضة من “الصالون” تحتاج دائماً إلى “شيطنة” الآخر لصناعة بطولة وهمية، حتى لو تطلب الأمر خلط الاستثمار بـ “الميكروبات”.
إدريس لكبيش/ Le12.ma
