سياسة رتق البكارة السياسية لحزب “العدالة والتنمية” التي فُضّت خلال قيادته للحكومة في ولايتين (من 2011 إلى 2021) وأُعلن عن “الفض” رسميا في 21 سبتمبر 2021.
هي سياسية بدأت باستقطاب وجوه بارزة وشابة من عالم الإعلام والمال والأعمال بعيدة عن ارتباطها الإيديولوجي “الإسلامي”.
وإذا كانت رغبة الحزب في ترميم ما يمكن ترميمه لبِناء بيت الحزب المُهشّم ولصورته المخدوشة بكثير من الندوب التي تسببت فيها قياداته من الصف الأول، على المستوى الشخصي، وقبل ذلك نتيجة السياسات اللاشعبية التي انتصرت لملإ خزائن الدولة على حساب إفراغ جيوب المواطنين.
قلت هي رغبة مفهومة وتعتبر أمراً بديهيا كتخطيط سياسي في سياق التسابق على المقاعد البرلمانية، وعلى أمل إعادة التوازن والوزن المفقودين للتنظيم الحزبي كقوة سياسية أحدثَت خلال عقد من الزمن رجةً في الساحة السياسية، ليس الوطنية فقط بل حتى الإقليمية، باعتبار أن قيادة “العدالة والتنمية” للحكومة خلال ولايتين متتاليتين (لم يحدث ذلك في التاريخ السياسي المغربي)، أثار الكثير من التساؤل عن السر والاستثناء المغربي وسط صحراء عربية جرداء تميزت بكثير من الارتجاجات السياسية والقلاقل الأمنية.
إن تركيز الحزب بالموازاة مع ذلك على أسماء من “الحرس القديم”، ومنهم حتى من اتهمهُم الأمينُ العام للحزب نفسه وضمنيا في الأيام القليلة الماضية بأنهم كانوا سببا للنكسة والتراجع الذي عرفه الحزب في الاستحقاق الأخيرة ومنحهم مع ذلك التزكية لخوض انتخابات 2026، يعطي انطباعاً سلبياً لدى الرأي العام بأن الاستقطابات الجديدة تعتبر مجرد مناورة فيها الكثير من الخبث السياسي، غايتُها ذر الرماد في أعين الناخبين والتدليس عليهم لأجل الوصول إلى أصواتهم.
وعندما يتعلق الأمر باختيار أسماء لا علاقة لها بالحزب وفي أفضل الأحوال كان لها فقط مجرد تعاطف عن بُعد، بل ليس لها ماضٍ سياسي مع أي لون حزبي آخر، والأكثر من ذلك تُصنف ضمن خانة خبراء عالم المال والاقتصاد، من قبيل مثلا البنكي والإعلامي سمير شوقي الذي زكّاه الحزب ليحمل “المصباح” ويطوف به في دروب الحي الحسني بالدار البيضاء أملًا في حشد أصوات مواطنيه.
وكذلك الأمر بشأن خالد البورقادي غير البعيد عن مجال المال والأعمال أيضا كممثل للحزب في دائرة فاس الشمالية في السباق الانتخابي المقبل، وسلوى القرقري امرأة الأعمال والفاعلة في مجال صناعة النسيج التي حظيت بالتزكية في اللائحة الحزبية الجهوية لجهة طنجة تطوان الحسيمة، والناشط النقابي والجمعوي أنس الدحموني كمرشح للحزب في دائرة الرباط المحيط..
أي عندما تختار وجوهاً ذات صفحات سياسية عذراء وتلبسها ثوبَ حزبك، وهو نفس الحزب الذي استدعى من جديد أسماءَ ذات صفحات ملطخة..، في مسعى حثيث للتلبيس على الناس وتوهيمهم بأن الحزب قادرٌ على الانفتاح حتى على من لا ارتباط إيديولوجي أو حركي له، فإنك كحزب تؤكد بأن الأمر لا يتعلق بقراءة نقدية ومحاولة إصلاح البيت من الداخل، حتى ولو كان ذلك متأخرا، وإنما هو تدبير مرحلي تقتضيه الظرفية والظروف التقهقرية التي يمر بها الحزب، أي هو مجرد “ديباناج” (Dépannage)، بما تحمله الكلمة من مدلول عربي (إصلاح طارئ وعاجل)، على أمل إعادة تصليح (Réparation) آلة الحزب التي لم تتعطل بالمرة، لكنها تضررت أكثر مما كان حتى أكبر المتشائمين من أعضائه يتوقعها.
أي أن العملية لا تختلف تماماً عمّا تلجأ إليه ما تسمى “أحزاب السلطة” أو “الأحزاب الإدارية”، وما باتت تنهجه حتى تلك الأحزاب المسماة “الوطنية” التاريخية، عندما تلوذ إلى الاستنجاد بـ”أصحاب الشكارة”/الأغنياء والأعيان، ومنهم حتى أصحاب الأموال المشبوهة لأنهم يضمنون لها أصواتَ هذه الدائرة الانتخابية أو تلك، ولا يهُم طبعاً الطريقة التي يتم بها حصد تلك الأصوات !.
جميل أن تنفتح الأحزاب على الأطر والكفاءات ولاسيما الشباب منهم، وتدمجهم في الحياة الحزبية والسياسية، لكن على أساس أن يكون ذلك في إطار إستراتيجية حزبية شفافة وديمقراطية لتقديم البدائل المثلى التي لا تُنفّر المواطنين من العمل السياسي بتكريس منطق الولاءات والزبونية الحزبية، لا أن يكون ذلك فقط لرتق وترميم التصدّع الذي يحتاج لإرادة حقيقية للإصلاح والتصحيح.
لأن الترميم والإصلاح المؤقت والخفيف (Bricolage) حتى وإن أخفى الأضرار مرحلياً فإنه لا يجنب البنيانَ الانهيارَ، وإنْ هي إلا مسألة وقت ليس إلا!..
*الكاريكتير (أرشيف) حول وعود ابن كيران بدعم الأرامل
الدكتور نور الدين اليزيد / كاتب صحفي متخصص في الإسلام السياسي
