‏في السياسة، لا تقاس المسؤولية فقط بالقرارات التي نتخذها ونحن في موقع التدبير، وإنما أيضا بالطريقة التي نتعامل بها مع تلك القرارات عندما تتغير المواقع والظروف، هل سنظل أوفياء لقراراتنا أم سننقلب عليها بمجرد تغير المواقع.

‏فالوفاء السياسي يعني، أولا، الوفاء للتعاقدات التي جمعت الأحزاب خلال مرحلة معينة، والاعتراف بأن التجربة الحكومية هي مسؤولية مشتركة بين مكوناتها، بإيجابياتها وسلبياتها ونجاحاتها وإخفاقاتها.

‏عندما تدخل مجموعة من الأحزاب في تحالف حكومي، فإن القرارات الأساسية لا تكون، في الأصل، قرارات حزب أو طرف واحد. 

‏هناك أغلبية حكومية، ومجلس حكومي، ومؤسسات يتم داخلها النقاش واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية.

‏ولهذا، ليس من الإنصاف أن يتحول ما كان بالأمس قرارا جماعيا إلى مادة للمزايدة السياسية اليوم، أو أن يحاول طرف مشارك في التجربة تقديم نفسه وكأنه كان خارجها تماما أو أنه لم يكن راضيا عما كان يتخذ من قرارات.

‏كل تجربة حكومية يمكن أن تخطئ ويمكن أن تصيب. 

‏كما أن الحكومات لا تشتغل في فراغ.

‏فالسنوات الماضية عرفت تحديات استثنائية، من الجفاف إلى ارتفاع الأسعار والاضطرابات الاقتصادية الدولية، إضافة إلى أزمات وملفات اجتماعية واقتصادية فرضت أحيانا اتخاذ قرارات صعبة ولكن ضرورية انتصارا للمواطن ولمؤسسات الدولة.

‏من حق أي حزب أن يراجع مواقفه، وأن يقدم قراءته النقدية للتجربة، وأن يقترح بديلا للمستقبل. فهذا جزء طبيعي من الديمقراطية. 

‏لكن هناك فرقا كبيرا بين النقد السياسي المشروع وبين التنصل من مسؤولية مشتركة.

‏وتزداد أهمية هذا الأمر كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، حيث يصبح إغراء تسجيل النقاط السياسية أكبر، وقد يتحول النقاش من تقييم السياسات والبرامج إلى تبادل الاتهامات ومحاولة إعادة كتابة الماضي.

‏الأخلاق السياسية تقتضي قدرا من الذاكرة والإنصاف والرزانة.

‏فمن شارك في اتخاذ القرار، عليه أن يتحمل نصيبه من مسؤوليته.

‏ومن كان جزءا من الأغلبية، لا يمكنه أن يقدم نفسه لاحقا باعتباره مجرد متفرج على تجربة كان فاعلا أساسيا فيها.

‏كما أن المنافسة الانتخابية لا ينبغي أن تتحول إلى قطيعة مع كل ما سبق، ولا إلى سباق لاستمالة المرشحين أو استنساخ طرق التنظيم والشعارات، بل يجب أن تكون منافسة حقيقية في الأفكار والبرامج والقدرة على تقديم حلول أفضل للمواطنين.

‏في النهاية، تبقى ذاكرة المواطنين أقوى من الحملات الظرفية.

‏المواطن يعرف من كان في الحكومة، ومن اتخذ القرارات، ومن تحمل المسؤولية، ومن اختار المساندة أو المعارضة. 

‏ولذلك فإن أفضل طريقة لكسب ثقته ليست إنكار الماضي، وإنما تقديم حصيلة صادقة، والاعتراف بما تحقق وما لم يتحقق، ثم التقدم أمامه بمشروع واضح للمستقبل.

‏فالسياسة، قبل أن تكون تنافسا على المواقع، هي أيضا وفاء للكلمة، وتحمل للمسؤولية، واحترام للتعاقد ولذاكرة المواطنين. 

‏هذه الاساليب التي يستعملها خصومنا هي أسوء ما يمكنه أن تعيشه تجربتنا الديموقراطية، وهو الشيء الذي لا يخدم مصالحة الشباب والمواطن عامة مع الفعل السياسي.

‏* لحسن السعدي قيادي في حزب الأحرار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *