في عالم باتت فيه العلاقات تُبنى وتُدار عبر الشاشات، وجد المجرمون الإلكترونيون في عواطفنا وثقتنا العمياء ثغرة ينفذون منها إلى أموالنا وخصوصيتنا. فكيف يتحول اسم وصورة صديق لك إلى طعم في مصيدة احتيال متقنة؟

إ. لكبيش / Le12.ma

لم تعد الجريمة الإلكترونية تتطلب اختراق الأنظمة المعقدة أو فك الشفرات المصرفية المستعصية، بل أصبحت تعتمد على حيلة أسهل وأكثر فاعلية تتمثل في استغلال العواطف الإنسانية والعلاقات الشخصية.

شهدت منصات التراسل الفوري، وعلى رأسها تطبيق «واتساب»، موجة متطورة من عمليات الاحتيال التي تستهدف ثقة المستخدمين من خلال انتحال صفة أشخاص مقربين أو معروفين للضحية، بهدف دفعهم إلى سداد مبالغ مالية عاجلة أو تسليم معطيات حساسة.

تعتمد هذه الجرائم على استخدام المحتال لرقم هاتف غير معروف، مع وضع اسم وصورة شخص تربطه بالضحية صلة قرابة أو عمل أو صداقة.

يبدأ التواصل بعبارات مألوفة توحي بصدق هوية المرسل، سرعان ما تتحول إلى استغاثة طارئة تتطلب تحويلاً مالياً مستعجلاً.

ولإضفاء حبكة واقعية على الرواية، يبتكر الجناة أعذاراً متنوعة تتراوح بين التعرض لمأزق مفاجئ، أو وجود عطل مؤقت في الحساب البنكي، أو تعذر إجراء تحويل مصرفي مباشر، مع التشديد الدائم على عنصر الوقت وضرورة التحرك الفوري.

تتجسد الخطورة البالغة لهذا الأسلوب في كونه يندرج ضمن ما يُعرف علمياً بـ «الهندسة الاجتماعية»، وهو فن التلاعب بنفسية الضحية وإرباك تفكيره النقدي عبر تغليب مشاعر التعاطف أو الفزع.

فالضحية، وتحت ضغط المفاجأة ورغبة المساعدة، يتعامل مع الرسالة بصفتها صفيحة موثوقة لمجرد مطابقة الاسم والصورة، فيقع في الفخ دون أن يخطر بباله التثبت من حقيقة الطلب أو هوية صاحب الرقم الجديد.

أمام هذا التهديد المتنامي، تؤكد التوجيهات الأمنية والتقنية أن التثبت والروية يمثلان خط الدفاع الأول.

يُنصح المستخدمون بعدم الاستجابة لأي طلب مالي مفاجئ يتم عبر رسائل نصية، حتى وإن حملت بيانات شخص مألوف، وضرورة إجراء اتصال هاتفي مباشر عبر الرقم الأصلي المحفوظ سابقاً للتحقق من الأمر.

كما يشدد الخبراء على حظر مشاركة رموز التحقق، أو كلمات المرور، أو البيانات البنكية تحت أي ظرف، وتجنب النقر على الروابط المجهولة التي قد تُرفق بهذه الرسائل.

وفي حال رصد أي محاولة مشبوهة، ينبغي حفظ المراسلات والدلائل الرقمية والتوجه فوراً للجهات المختصة للتبليغ عنها.

إن تطور وسائل التراسل يقابله حتماً تطور في أساليب السطو الرقمي، مما يجعل الحذر والوعي ضرورة ملحة؛ فظهور اسم وصورة صديق على الشاشة لم يعد دليلاً كافياً على أنه هو من يكتب خلف السطور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *