متغيرات عديدة تلك التي جاءت بها أحكام المسطرة المدينة الجديدة التي ستدخل قريبا حيز التنفيذ، ما الذي سيتغير بالنسبة لمغاربة أوروبا؟

عادل الشاوي-le12.ma

اعتبارا من 24 غشت الجاري، ستدخل قواعد جديدة حيز التنفيذ بشأن تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية الصادرة عن محاكم أجنبية داخل المغرب، في إطار مقتضيات قانون المسطرة المدنية الجديد رقم 58.25، وهو إصلاح يهم بشكل مباشر عددا من المغاربة المقيمين بالخارج، خاصة بأوروبا.

فالحكم الصادر عن محكمة في فرنسا أو بلجيكا أو هولندا أو إسبانيا لا تكون له، بمجرد صدوره، قوة تنفيذية داخل تراب المملكة، إذ يتعين إخضاعه لإجراء تذييله بالصيغة التنفيذية (Exequatur)، أي استصدار قرار عن القضاء المغربي يمنحه قابلية التنفيذ داخل المملكة.

وإذا كان هذا المبدأ قائما في السابق، فإن قانون المسطرة المدنية الجديد يحدد بشكل أوضح الشروط والضوابط التي يتعين على القضاء المغربي مراعاتها عند النظر في طلبات تنفيذ الأحكام الأجنبية، بما يضع إطارا قانونيا جديدا للعلاقة بين القضاء المغربي ونظيره الأجنبي.

وتكتسي هذه المقتضيات أهمية خاصة بالنسبة للمغاربة المقيمين بالخارج، بالنظر إلى تعدد القضايا التي يمكن أن تتطلب تنفيذ أحكام صادرة في بلدان الإقامة داخل المغرب، سواء تعلق الأمر باستيفاء ديون، أو بالنفقة، أو بالمنازعات الأسرية والعائلية، أو بقضايا مرتبطة بالممتلكات والأموال والأصول، فضلا عن بعض الآثار القانونية المترتبة عن أحكام الطلاق.

وبموجب القواعد الجديدة، سيكون على القاضي المغربي، عند النظر في طلب تنفيذ حكم أجنبي، التأكد من مجموعة من الشروط الأساسية، من بينها ألا تكون المحكمة الأجنبية قد فصلت في مسألة تدخل ضمن الاختصاص الحصري للقضاء المغربي، وألا يكون اللجوء إليها قد تم نتيجة تحايل على قواعد الاختصاص القضائي.

كما يتعين التحقق من أن الأطراف المعنية جرى استدعاؤها ومثولها أمام القضاء الأجنبي وفق الضوابط القانونية، وأن الحكم المطلوب تنفيذه أصبح نهائيا وقابلا للتنفيذ في الدولة التي صدر فيها.

ويشترط أيضا ألا يتعارض الحكم الأجنبي مع حكم سبق أن صدر عن القضاء المغربي في القضية نفسها، وألا تتضمن مقتضياته ما يتنافى مع النظام العام المغربي أو مع الاتفاقيات الدولية التي تكون المملكة طرفا فيها.

المعاملة بالمثل.. المستجد الأبرز

ومن بين أبرز المستجدات التي حملها القانون الجديد، ما نصت عليه المادة 456 بشأن ضرورة مراعاة مبدأ المعاملة بالمثل عند نظر المحاكم المغربية في طلبات تذييل الأحكام الأجنبية بالصيغة التنفيذية.

ويعني ذلك أن القضاء بالمملكة يمكن أن يأخذ بعين الاعتبار الطريقة التي يتعامل بها النظام القضائي في الدولة التي صدر فيها الحكم مع الأحكام والقرارات الصادرة عن المحاكم المغربية، ومدى اعترافه بها وقابليتها للتنفيذ على أراضيه.

ويشكل هذا المقتضى أحد أبرز عناصر التغيير التي جاء بها القانون الجديد، إذ لم يكن شرط المعاملة بالمثل واردا بهذه الصيغة في قانون المسطرة المدنية السابق، وهو ما يجعل كيفية تطبيقه عمليا موضع اهتمام، خصوصا بالنسبة إلى الأحكام الصادرة عن الدول التي تحتضن أعدادا كبيرة من أفراد الجالية المغربية.

ولا يقتصر التغيير على شروط قبول طلبات التنفيذ، بل يشمل أيضا آجال البت فيها، إذ ينص القانون الجديد على أنه في حال استئناف الحكم الصادر بشأن منح الصيغة التنفيذية أو رفضها، يتعين على محكمة الاستئناف البت في الطعن داخل أجل شهر واحد.

الأحكام الأسرية.. نظام خاص

وتحتفظ الأحكام الأجنبية المتعلقة بإنهاء الرابطة الزوجية بمقتضيات خاصة، إذ إنه بعد منحها الصيغة التنفيذية بالمغرب، لا تكون قابلة للطعن، من حيث المبدأ، باستثناء الحالات التي تتدخل فيها النيابة العامة بناء على الدفع بوجود مقتضيات تمس بالنظام العام.

ويمتد نطاق المقتضيات الجديدة كذلك إلى بعض المحررات المنجزة في الخارج أمام الضباط أو الموظفين العموميين، حيث يمكن تنفيذها داخل المغرب وفق شروط محددة، من بينها أن تكون حائزة بالفعل للقوة التنفيذية في بلدها الأصلي، وألا تتعارض مع النظام العام المغربي.

وبذلك، لا يتعلق دخول القانون الجديد حيز التنفيذ بمجرد تعديل تقني في المساطر القضائية، وإنما يؤسس لقواعد جديدة تحكم كيفية تعامل القضاء المغربي مع الأحكام والقرارات الصادرة عن القضاء الأجنبي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بترتيب آثار قانونية أو مالية داخل المملكة.

ويأتي هذا الإصلاح في إطار القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، المنشور في الجريدة الرسمية للمملكة، والذي حدد تاريخ دخوله حيز التنفيذ في 24 غشت 2026، أي بعد مرور ستة أشهر على تاريخ نشره.

وبالنسبة إلى المغاربة المقيمين بالخارج، تكتسي هذه المقتضيات أهمية عملية متزايدة، بالنظر إلى تنامي الروابط القانونية والعائلية والمالية بين أفراد الجالية والمغرب، وما يترتب عنها من أحكام وقرارات قضائية صادرة في بلدان الإقامة، قد تستدعي لاحقا الاعتراف بها وتنفيذ آثارها داخل المملكة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *