يقدم المحامي عبد الرحمان الباقوري، عن هيئة الدار البيضاء، حلقات توعوية حول مستجدات قانون المسطرة المدنية، تنشرها جريدة Le12.ma، لكل غاية مفيدة.
الحلقة الرابعة: في التصدي للحكم في الجوهر
*الباقوري عبد الرحمان: محامٍ بهيئة المحامين بالدار البيضاء
مع المستجد الرابع من مستجدات قانون المسطرة المدنية، الذي سيدخل حيز التنفيذ يوم الإثنين 24-08-2024:
لقد أوجب القانون الجديد على محكمة الاستئناف، وهي تبت في استئناف الأحكام الابتدائية، أن تتصدى لجوهر القضية في حالة إلغائها للحكم الابتدائي، بغض النظر عن منطوق هذا الحكم، سواء برفضه أو بعدم قبوله، وبغض النظر عن جاهزية الدعوى من عدمها.
ولإيضاح الفرق بين صيغة الفصل القديم (الحالي) وصيغة المادة الجديدة، سنورد مقتضياتهما للمقارنة بينهما واستجلاء الفرق:
نص الفصل 146 من القانون الحالي على أنه:
(إذا أبطلت محكمة الاستئناف الحكم المطعون فيه أو أبطلته، وجب عليها أن تتصدى للحكم في الجوهر إذا كانت الدعوى جاهزة للبت فيها).
بينما تنص المادة 221 من القانون الجديد على أنه:
(إذا أبطلت أو ألغت محكمة الدرجة الثانية الحكم المطعون فيه، وجب عليها أن تتصدى للحكم في الجوهر).
والفرق بين المقتضيين هو أن القانون الجديد تخلى عن شرط جاهزية الدعوى لتصدي محكمة الاستئناف لجوهرها والبت في موضوعها.
فمثلاً، في القانون الحالي (القديم)، إذا قضى الحكم الابتدائي بعدم قبول الطلب بسبب إخلال شكلي شاب المقال، أو قضى بعدم القبول بسبب عدم استيفاء إجراء شكلي معين، فإنه في حالة استئناف الحكم، وكان قضاء محكمة الاستئناف هو إلغاءه، فإنها تكون ملزمة بإرجاع الملف إلى المحكمة الابتدائية قصد مناقشة موضوعه، لأنها بتت سابقاً فقط في شكله. كما أن محكمة الاستئناف تكون ملزمة بإرجاع الملف عند إلغائها الحكم الابتدائي أو إبطاله، في الحالة التي يكون موضوعها متوقفاً على إجراء خبرة أو أي إجراء آخر من إجراءات التحقيق لم تأمر به محكمة الدرجة الأولى، لا لشيء إلا لأن الدعوى غير جاهزة، ولا يحق لمحكمة الاستئناف تجهيز قضية لم تكن جاهزة خلال المرحلة الابتدائية، وهو الشرط المنصوص عليه في الفصل 146 حالياً.
أما في القانون الجديد، فإن المادة 221 ألغت شرط الجاهزية، وأوجبت على محكمة الاستئناف، في حالة إلغائها للحكم الابتدائي، أن تقضي في موضوع الدعوى، بغض النظر عن منطوق الحكم الابتدائي.
فإذا قضى الحكم الابتدائي، مثلاً، بعدم قبول دعوى التعويض عن حادثة سير، واستأنف المدعي الحكم، فإن محكمة الاستئناف، إذا ألغت الحكم، فإنها تقضي بإجراء خبرة، وتجهز الملف بنفسها، ثم تبت فيه باعتبارها درجة ثانية من درجات التقاضي، وباعتبار أن الاستئناف ينقل النزاع وينشره من جديد بجميع جوانبه الواقعية والقانونية أمامها.
إن المادة 221 من القانون الجديد ستتسبب في سيل من المداد، فيما يتعلق بتأثير نظام التصدي الجديد على مبدأ التقاضي على درجتين، والذي يعتبره القضاء العالي، ومعه الفقه، من النظام العام.
وسيكون القضاء والفقه ملزمين بالجواب عن هذا التأثير، وعن حدود العلاقة بين نظام التصدي بمفهومه الجديد وبين مبدأ التقاضي على درجتين. وأستحضر هنا مؤلفاً ممتازاً عبارة عن أطروحة دكتوراه للدكتور عبد العزيز الحضري، وهو أستاذ جامعي متميز بوجدة، في موضوع استئناف الأحكام المدنية، حيث تطرق للموضوع بإسهاب، وخلص إلى أن نظام التصدي هو استثناء من مبدأ التقاضي على درجتين.
كما أستحضر أيضاً أطروحة الدكتور محمد صابر، الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بمراكش، في موضوع الأثر الناقل لاستئناف الأحكام المدنية، والتي تطرق فيها أيضاً إلى الموضوع بتفصيل غاية في الأهمية. ولمن أرادهما، يمكنني تمكينه منهما بكل فرح وسرور.
